تفاصيل عن موسم لالة ستي فاضمة بأوريكة.. طقس سنوي يجسد الموروث الأمازيغي

أوريكة بريس – دليل أوريكة السياحي
في قلب حوض أوريكة، حيث تتعانق الجبال مع مجرى الوادي، وحيث ما تزال الذاكرة الجماعية تحتفظ بالكثير من طقوسها وعاداتها القديمة، انطلقت زوال يوم الثلاثاء 11 غشت 2026 فعاليات الموسم السنوي لزاوية لالة ستي فاضمة، في موعد يتجدد كل عام ليجمع بين العبادة والضيافة وصلة الرحم والاحتفاء بالموروث الثقافي المحلي.
ولأن هذا الموسم ليس مجرد تجمع احتفالي عابر، فإن تفاصيله تكشف عن جانب مهم من تاريخ الحياة الاجتماعية والروحية لأهالي حوض أوريكة، حيث تتوارث الأجيال طقوس الاستقبال وإكرام الضيف وإحياء المواسم، في مشهد تختلط فيه التقاليد الدينية بالعادات الاجتماعية والفنون الشعبية.

من صلاة العصر تبدأ الحكاية
بعد أداء صلاة العصر، بدأت أجواء الموسم تأخذ طابعها الروحي، إذ صدحت أصوات الأئمة وحَمَلة كتاب الله بتلاوة آيات بينات من الذكر الحكيم، أعقبتها الصلاة والسلام على خير البرية، والدعاء لأمير المؤمنين الملك محمد السادس.
وبعد هذه المراسيم، جرى استقبال السلطات المحلية والأعيان وممثلي القبائل والدواوير المجاورة، في تقليد يعكس المكانة التي يحتلها الموسم داخل النسيج الاجتماعي للمنطقة.
وكان لافتاً الحضور الكبير لمختلف الفئات العمرية، من الرجال والنساء والأطفال والشباب، بما يؤكد أن الموسم لا يزال يحتفظ بمكانته في الذاكرة المحلية، رغم التحولات الكبيرة التي عرفها المجتمع خلال العقود الأخيرة.
الذبيحة.. إعلان رمزي عن انطلاق الموسم

وسط هذا الحضور، تم الإعلان عن إخراج الذبيحة إيذاناً بانطلاق الموسم رسمياً، حيث اقتيدت بقرة سوداء إلى مكان النحر تحت شجرة “الجو” المعروفة محلياً، في طقس تتوارثه المنطقة جيلاً بعد جيل.
وبمجرد وصول الذبيحة، ارتفعت زغاريد النساء، بينما تعالت أصوات الرجال والأطفال والشباب بالصلاة والسلام على رسول الله، في لحظة تختزل الكثير من الرمزية الدينية والاجتماعية التي ارتبطت بالمواسم الشعبية في مناطق الأطلس.
وتولى أمين الجزارين عملية الذبح بمساعدة عدد من الجزارين المحترفين، في حين جرى في الوقت نفسه نحر باقي رؤوس الأغنام التي تقدمها القبائل والدواوير المجاورة، استمراراً للتقاليد القديمة القائمة على المساهمة الجماعية في إحياء الموسم.

حين تتحول الذبيحة إلى مائدة مفتوحة
بعد انتهاء عملية النحر، تبدأ مرحلة أخرى لا تقل أهمية عن المراسيم الدينية، وهي مرحلة إعداد الطعام وإكرام الضيوف.
في مطابخ الزاوية، تنخرط النساء في إعداد أطباق مختلفة من اللحوم والكسكس وغيرها من الأكلات التقليدية، بينما تعمل نساء الدواوير المجاورة، وخاصة من دوار الزاوية ولالة ستي فاضمة، على إعداد أطباقهن الخاصة وتقديمها للزوار والضيوف.
وهنا تظهر واحدة من أبرز خصائص المجتمع المحلي: الكرم الجماعي.
فالزائر لا يأتي إلى الموسم بصفته سائحاً أو متفرجاً فقط، بل يجد نفسه ضيفاً على أهل المنطقة، تُفتح أمامه الأبواب وتُمد له الموائد، في صورة تختصر قيمة “الضيافة الأوريكية” التي ظلت حاضرة في حياة سكان المنطقة.
“إلى كل من حضر.. مرحباً بكم جميعاً”
وفي صباح اليوم الموالي، يتجدد المشهد بطريقة تحمل الكثير من الدلالات.
فبأعلى صوته، يوجه كبير القبيلة أو الشيخ نداءه إلى الحاضرين قائلاً:
“إلى كل من حضر.. مرحباً بكم جميعاً.”

ولا يقتصر هذا النداء على مناسبة واحدة، بل يتكرر خلال وجبات الفطور والغداء والعشاء، ليؤكد أن استقبال الضيوف ليس مجرد واجب بروتوكولي، وإنما جزء أصيل من فلسفة الموسم.
إنها عبارة بسيطة في كلماتها، لكنها عميقة في معناها؛ فالضيف القادم من دوار مجاور أو من مدينة بعيدة يجد نفسه داخل فضاء اجتماعي لا تسأل فيه عن الانتماء، بقدر ما يُحتفى بالحضور نفسه.
أحواش.. حين تتحدث الذاكرة بلغة الفن
وبعيداً عن أجواء الزاوية، وبمحاذاة الوادي، خصصت ساحة واسعة لاستقبال مئات المواطنين الذين حجوا للاستمتاع بأهازيج الفرق الفلكلورية المحلية.
وهنا يتصدر أحواش المشهد، باعتباره واحداً من أبرز أشكال التعبير الجماعي في الثقافة الأمازيغية بالمغرب.
صفوف متراصة، إيقاعات متناسقة، أصوات جماعية وحركات موزونة، في مشهد لا يقدم الفن للترفيه فقط، بل يستعيد أيضاً جزءاً من الذاكرة الثقافية للمنطقة.
وتستمر هذه الأجواء إلى ساعات متأخرة من الليل، لتتحول ساحة الموسم إلى فضاء يلتقي فيه أبناء المنطقة بالزوار والضيوف، في واحدة من أكثر لحظات الموسم حيوية.

موسم لكل أفراد الأسرة
ولم يقتصر الموسم على المراسيم الدينية والموائد وأحواش، بل خصصت في جهة غير بعيدة عن الزاوية ساحة للألعاب والترفيه، تستقبل الأطفال والشباب.
كما انتصبت بمحاذاة الوادي مجموعة من المحلات والأكشاك التي تعرض مختلف المستلزمات والهدايا والمنتجات التي اعتاد المغاربة مشاهدتها في المواسم الشعبية، لتكتمل بذلك صورة الموسم باعتباره فضاءً دينياً واجتماعياً وثقافياً واقتصادياً في الوقت نفسه.
من الذاكرة الدينية إلى الذاكرة السياحية
ترتبط زاوية لالة ستي فاضمة، في الذاكرة المحلية، بالبعد الروحي الذي جعل من هذا المكان محطة يقصدها الناس لإحياء الموسم والاجتماع وصلة الرحم.
كما أن موقعها داخل حوض أوريكة يمنح الموسم بعداً سياحياً خاصاً؛ فالمكان يوجد في واحدة من أشهر المناطق الجبلية القريبة من مراكش، حيث الوادي والجبال والقرى التقليدية والمسارات المؤدية إلى مناطق طبيعية وسياحية معروفة، وفي مقدمتها منطقة ستي فاضمة وشلالاتها.

ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى الموسم باعتباره مناسبة ثقافية قادرة على تقديم جانب مختلف من أوريكة للزائر؛ جانب لا يظهر في الصور السياحية وحدها، وإنما يُعاش من خلال الناس وعاداتهم وموائدهم وفنونهم وطقوسهم.
موسم يتجاوز الاحتفال
تكمن أهمية موسم لالة ستي فاضمة في كونه يتجاوز مفهوم الاحتفال الموسمي إلى كونه موعداً سنوياً لإعادة وصل ما انقطع بين الإنسان ومحيطه الاجتماعي.
فهو مناسبة لتعزيز صلة الرحم، واستقبال الأقارب والضيوف، وتجديد العلاقات بين الدواوير والقبائل، وإحياء قيم التعاون والتكافل، وفي الوقت نفسه الحفاظ على جزء من الموروث الديني والثقافي والفني الذي تشكل عبر أجيال طويلة.
كما يمنح الأجيال الجديدة فرصة للتعرف على طقوس ربما لم تعد حاضرة في حياتهم اليومية كما كانت لدى آبائهم وأجدادهم.

أوريكة.. حين يصبح التراث جزءاً من السياحة
في زمن أصبحت فيه السياحة تبحث بشكل متزايد عن التجارب الأصيلة، لا تقتصر قيمة أوريكة على المناظر الطبيعية والشلالات والمطاعم والمقاهي والمسارات الجبلية.
هناك وجه آخر لا يقل أهمية: التراث الحي.
وموسم لالة ستي فاضمة واحد من المناسبات التي تسمح للزائر باكتشاف هذا الوجه من المنطقة، حيث تتحول العادات والضيافة والفنون والأطباق التقليدية والطقوس الجماعية إلى عناصر حية من الهوية المحلية.
ولهذا، فإن تثمين هذه المواسم والتعريف بها، مع احترام خصوصيتها الدينية والاجتماعية، يمكن أن يشكل رافعة مهمة للسياحة الثقافية في حوض أوريكة، ويساهم في نقل صورة أكثر عمقاً عن المنطقة، بعيداً عن الصورة النمطية التي تختزلها في الشلالات والمناظر الطبيعية فقط.
ذاكرة تتجدد كل عام
من عاش أجواء موسم لالة ستي فاضمة هذا العام، كما عايشناها ميدانياً يوم الثلاثاء 11 غشت 2026، يدرك أن ما يحدث هنا ليس مجرد تجمع عابر.

إنه موعد مع الذاكرة.
موعد تعود فيه أصوات القرآن والدعاء، وزغاريد النساء، وأهازيج أحواش، ورائحة الكسكس واللحم، ونداء الترحيب بالضيوف، لتلتقي جميعها في فضاء واحد على ضفاف وادي أوريكة.
وهكذا يستمر الموسم في أداء وظيفته القديمة: جمع الناس، وإحياء صلة الرحم، وإكرام الضيف، وحماية الذاكرة، ونقل الموروث من جيل إلى آخر.
وبينما تتغير أوريكة وتتطور الحياة وتتسع حركة السياحة بالمنطقة، تبقى مثل هذه المواسم شاهدة على أن قوة المكان لا تكمن فقط في جباله ومياهه ومناظره، وإنما أيضاً في ذاكرة أهله، وعاداتهم، وكرمهم، وقدرتهم على إبقاء التراث حياً.
أوريكة بريس – دليل أوريكة السياحي
تغطية ميدانية من قلب موسم لالة ستي فاضمة – 11 غشت 2026
رابط الفيديو وكل التفاصيل



