عين سيدي الوافي بتغدوين.. نبع من قلب الأطلس بين الذاكرة الشعبية وعمق التاريخ
في عمق جبال الحوز، حيث تتعانق الصخور والأشجار مع ينابيع الماء، تخفي منطقة تغدوين واحدة من تلك الأماكن التي لا تكشف أسرارها كاملة من الزيارة الأولى. ومن بين أبرز معالمها عين سيدي الوافي، المعروفة محليًا أيضًا باسم عين تغدوين أو “العوينة”، وهي عين ارتبط اسمها عبر السنوات بالماء المعدني الغازي وبحكايات شعبية تناقلتها الأجيال، قبل أن تتحول إلى مقصد يقصده الزوار من مناطق مختلفة.
وفي إطار مواكبة المؤهلات الطبيعية والسياحية التي تزخر بها مناطق الحوز، انتقلت أوريكة بريس ميدانيًا إلى عين سيدي الوافي بتغدوين، لرصد المكان عن قرب وتوثيق أجوائه الطبيعية ومكوناته بالصورة والفيديو، في محاولة لتقديم الموقع للقارئ كما هو، بعيدًا عن الوصف النظري وحده.
عين في قلب المجال الجبلي
تقع عين سيدي الوافي على مسافة تقارب كيلومترًا واحدًا من مقر جماعة أربعاء تغدوين، وسط فضاء طبيعي تتداخل فيه الأشجار والصخور والمياه، في مشهد يمنح المكان خصوصية هادئة ويجعله مؤهلًا لأن يكون محطة ضمن المسارات السياحية الجبلية بالحوز.
وتنتمي تغدوين إلى المجال الجبلي للأطلس الكبير، وهي منطقة تتميز بتنوع طبيعي وثقافي لافت، لا يقتصر على العيون والوديان والمناظر الجبلية، بل يمتد إلى تراث أثري يعود إلى فترات موغلة في القدم.

وهنا تبدأ الحكاية الأوسع.
من عين الماء إلى جبل ياكور.. تاريخ أقدم من الذاكرة
لا يمكن الحديث عن تغدوين دون استحضار جبل ياكور، أحد أبرز المواقع الأثرية في عمق جبال الأطلس الكبير بالحوز.
فعلى ارتفاع يقارب 2600 متر، يحتضن الجبل عددًا مهمًا من النقوش الصخرية القديمة، من بينها ما يعرف بـ”لوحة الشمس”. ويمتد المجال الأثري على مساحة واسعة تقدر بنحو 4000 هكتار، تشمل مناطق تابعة لعدد من الجماعات، من بينها مشيخة الزات التابعة لتغدوين.
وتكتسب هذه النقوش أهميتها من كونها تقدم نافذة نادرة على علاقة الإنسان القديم بهذا المجال الجبلي، الذي لم يكن مجرد فضاء طبيعي معزول، بل كان مجالًا للحركة والتنقل والاستقرار واستغلال الموارد الطبيعية.
ومن هذه الزاوية، تصبح عيون تغدوين جزءًا من قصة أكبر: قصة الإنسان والماء والجبل في الأطلس الكبير، وإن كان من الضروري التأكيد أن الربط المباشر بين عين سيدي الوافي نفسها واستعمال بشري محدد في عصور ما قبل التاريخ يحتاج إلى دراسات أثرية وهيدروجيولوجية أكثر دقة.

متى اشتهرت عين سيدي الوافي؟
تتعدد الروايات المحلية حول العين، بينما تشير بعض الشهادات المتداولة إلى أن التعرف على خصائص مياهها وتحليلها علميًا ارتبط بالفترة الاستعمارية، حين قام مهندس فرنسي، وفق الرواية المحلية، بفحص مياهها وخلص إلى أنها صالحة للشرب وغنية بالمواد المعدنية.
أما في الذاكرة الشعبية، فقد ارتبطت العين بحكايات عن أشخاص قصدوا مياهها لأغراض صحية، ومن أشهر الروايات المتداولة قصة شخص كان يعاني مرضًا خطيرًا وارتبط شفاؤه، بحسب الرواية الشعبية، باستعمال مياه العين.
غير أن أوريكة بريس، وهي تقدم هذه الروايات لقرائها، تميز بين الحكاية المتوارثة وبين الحقيقة الطبية الموثقة؛ فهذه القصص تظل جزءًا من الذاكرة الشعبية للمكان، ولا يمكن تقديمها كدليل علمي على قدرة مياه العين على علاج السرطان أو غيره من الأمراض.
وهنا تكمن قيمة المكان أيضًا: ليس فقط فيما يمكن إثباته بالمختبر، وإنما في القصص التي رافقت العين وحافظت على حضورها في الذاكرة الجماعية للسكان.

مياه غازية.. وخصوصية معدنية
من أكثر ما يلفت الانتباه في عين سيدي الوافي طبيعة مياهها التي توصف محليًا بأنها معدنية وغازية، وهي الخاصية التي ساهمت في شهرتها بين الزوار.
والمياه المعدنية الطبيعية يمكن أن تحمل، بحسب طبيعة الصخور التي تمر عبرها ومسارها الجوفي، عناصر معدنية مختلفة مثل المغنزيوم والكالسيوم والصوديوم والبيكربونات وغيرها.
لكن من المهم علميًا الإشارة إلى أن البحث المتاح حاليًا لا يوفر تحليلًا مخبريًا منشورًا يحدد بدقة نسب هذه العناصر في مياه عين سيدي الوافي نفسها. لذلك لا يصح تقديم أرقام محددة أو نسب معدنية باعتبارها خاصة بهذه العين دون تحليل حديث وموثق.
كما أن الحديث المتداول عن فوائد المياه في الهضم أو حصى الكلى أو غيرها يبقى، في حدود المصادر المتوفرة، مرتبطًا بدرجة كبيرة بالتجربة الشعبية وشهادات الزوار، وليس بدراسات طبية سريرية تثبت أن مياه العين تعالج هذه الأمراض.
وهذه الملاحظة لا تنتقص من قيمة العين، بل تمنح الحديث عنها قدرًا أكبر من المصداقية.

الماء والطين.. تقليد شعبي مستمر
ولا تقتصر شهرة المكان على الماء وحده؛ إذ ارتبطت عين سيدي الوافي كذلك باستعمال الطين الموجود بالقرب منها من طرف بعض الزوار، خصوصًا في سياق الممارسات الشعبية المرتبطة بعلاج بعض المشاكل الجلدية فقد عاينت كاميرا اوريكة بريس الرجال والنساء والفتيات يحاولون وضع ماسك من الطين مائل للسواد على وجوههم للتبييض وازالة الحبوب والشوائب
وفي سؤال موجه الى النساء والرجال على حد سواء اكد اغلبهم ان هذا النوع من الماسكات فعلا له دور فعال في القضاء على الشوائب وانه يبيض الوجه ويقلص من الترهلات والانكماشات
ومرة أخرى، فإن هذه الممارسات تدخل في إطار التراث الشعبي والتجربة المحلية، ولا ينبغي الخلط بينها وبين العلاج الطبي المثبت علميًا.
ومع ذلك، فإن استمرار هذه الممارسات يكشف عن علاقة خاصة نشأت بين السكان والموارد الطبيعية للمكان، وهي علاقة تستحق التوثيق والدراسة باعتبارها جزءًا من التراث المحلي.
تغدوين.. من المجال القروي إلى وجهة سياحية
شهدت تغدوين خلال العقود الأخيرة تحولًا تدريجيًا في صورتها، خصوصًا منذ تسعينيات القرن الماضي، مع تزايد الاهتمام بمؤهلاتها الطبيعية والجبلية.
وأصبحت المنطقة تستقبل زوارًا من مختلف المدن المغربية، إلى جانب أفراد من الجالية المغربية المقيمة بالخارج وزوار أجانب، مستفيدين من طبيعتها الجبلية ومن تعدد العيون والمناظر والمسالك المحيطة بها.
وتتميز تغدوين كذلك بوجود عدد من الينابيع الطبيعية، بعضها غازي وبعضها الآخر غير غازي، وهو تنوع يجعل المنطقة ذات قيمة مائية وطبيعية خاصة، ويؤكد في الوقت نفسه ضرورة دراسة كل عين على حدة بدل افتراض أن لها جميعًا التركيبة المعدنية نفسها.

كنز سياحي يحتاج إلى مزيد من التثمين
رغم ما تزخر به تغدوين من مؤهلات، فإن الطريق نحو تحويل هذه الإمكانات إلى منتج سياحي متكامل لا يزال يحتاج إلى مزيد من العمل.
فالطرق والمرافق والخدمات السياحية تحتاج إلى تطوير، كما أن المواقع الأثرية، وفي مقدمتها نقوش جبل ياكور، تستحق مزيدًا من العناية والتعريف والتثمين.
والأهم أن يتم ذلك بطريقة تحافظ على هوية المنطقة وطبيعتها، فلا يتحول الإقبال السياحي إلى عامل ضغط على البيئة أو على الموارد المائية، بل إلى فرصة حقيقية للتنمية المحلية.
أوريكة بريس في عين سيدي الوافي
ومن خلال جولتها الميدانية، حاولت أوريكة بريس أن تنقل إلى القارئ جانبًا من هذا المكان كما هو على أرض الواقع: الطبيعة، العين، الصخور، الأشجار، أجواء الموقع، وما تختزنه تغدوين من تفاصيل لا يمكن أن تنقلها الكلمات وحدها.
فالصحافة السياحية، في نظرنا، لا تقتصر على القول إن المكان “جميل”، وإنما تقوم على الذهاب إليه، معاينته، تصويره، البحث في تاريخه، والتمييز بين ما هو موثق وما هو متداول، ثم تقديمه للقارئ بصورة تحترم الحقيقة وتحافظ في الوقت نفسه على سحر الاكتشاف.
وعين سيدي الوافي واحدة من تلك الأماكن التي تجمع بين الماء والطبيعة والذاكرة الشعبية والتاريخ الأركيولوجي في فضاء جبلي واحد.
رحلة لم تنته عند العين
ربما تكون أجمل ما في عين سيدي الوافي أنها لا تقدم نفسها باعتبارها مجرد ينبوع للماء، بل باعتبارها مدخلًا إلى عالم أوسع: عالم تغدوين، بجبالها وعيونها ومسالكها وقصص أهلها، وبجبل ياكور ونقوشه التي تذكر بأن الإنسان عرف هذا المجال قبل آلاف السنين.
وفي انتظار مزيد من الدراسات العلمية التي يمكن أن تكشف بدقة أكبر عن التركيبة الجيولوجية والمعدنية لمياه العين، تبقى سيدي الوافي موقعًا طبيعيًا وثقافيًا يستحق التعريف به وتثمينه، مع الحفاظ على خصوصيته وبيئته.
وهذه ليست سوى بداية الرحلة.
ولأن الصورة أحيانًا تقول ما لا تستطيع الكلمات قوله، توثق أوريكة بريس هذه الجولة بفيديو ميداني حصري من عين سيدي الوافي بتغدوين، ينقل لكم تفاصيل المكان وأجواءه الطبيعية كما عايناها على أرض الواقع.
شاهدوا الفيديو المرفق، واكتشفوا معنا عين سيدي الوافي بتغدوين من زاوية مختلفة.



