الدخول المدرسي يرفع فاتورة الأسر المغربية.. مصاريف متزايدة تضغط على القدرة الشرائية
مع اقتراب موعد الدخول المدرسي 2026-2027، تجد الأسر المغربية نفسها أمام موجة جديدة من المصاريف التي تتوزع بين رسوم التسجيل والواجبات الشهرية، واقتناء الكتب والمقررات والأدوات المدرسية والملابس، إلى جانب تكاليف النقل والوجبات ومختلف الاحتياجات اليومية المرتبطة بتمدرس الأبناء.
وتتحول هذه المرحلة إلى تحدٍ مالي أكبر بالنسبة للعائلات التي تضم طفلين أو أكثر، إذ تتراكم الالتزامات في فترة زمنية قصيرة، ما يدفع العديد من الأسر إلى إعادة ترتيب ميزانيتها والبحث عن بدائل لتقليص كلفة التمدرس، خصوصاً في ظل الضغوط التي تعرفها القدرة الشرائية للأسر ذات الدخل المحدود والمتوسط.
مصاريف التمدرس تبدأ مبكراً وتتزايد مع المستويات الدراسية
ويرى عبد الصمد الدكالي، عضو جمعية حماية وتوجيه المستهلك، أن الدخول المدرسي أصبح من أكثر المحطات استنزافاً لميزانية الأسرة المغربية، بالنظر إلى تعدد النفقات المرتبطة بتمدرس الأطفال، داعياً إلى اتخاذ إجراءات تساهم في ضبط الأسعار وتعزيز حماية المستهلك.
وأوضح الدكالي أن أعباء التمدرس تبدأ منذ مرحلة التعليم الأولي، مشيراً إلى أن رسوم التسجيل في بعض مؤسسات التعليم الأولي الخصوصي قد تبلغ حوالي 1200 درهم للطفل الواحد، فيما قد يصل الواجب الشهري إلى نحو 1000 درهم.
ولا تتوقف المصاريف عند هذا الحد، إذ يمكن أن تتطلب الكتب والأدوات المدرسية ميزانية إضافية تصل إلى حوالي 1500 درهم، دون احتساب تكاليف أخرى مرتبطة بالنقل والملابس والوجبات وباقي متطلبات الحياة المدرسية.
وتصبح الكلفة أكثر ارتفاعاً مع انتقال التلميذ إلى مستويات دراسية متقدمة، خصوصاً في التعليم الإعدادي والثانوي، حيث أشار المتحدث إلى أن رسوم التسجيل قد تصل إلى 2600 درهم، مقابل واجب شهري في حدود 1700 درهم، فضلاً عن ارتفاع كلفة الكتب واللوازم المدرسية.
كما تنضاف إلى هذه المصاريف تكاليف النقل المدرسي والدروس الخصوصية والأنشطة الموازية، وهي نفقات تختلف من أسرة إلى أخرى بحسب المستوى الدراسي ومكان السكن ونوع المؤسسة التعليمية.
“المصاريف الخفية”.. نفقات صغيرة تتحول إلى عبء كبير
ولا تقتصر فاتورة الدخول المدرسي على المصاريف الأساسية المعروفة، إذ تواجه الأسر ما يسمى بـ**“المصاريف الخفية”**، وهي نفقات قد تبدو محدودة كل واحدة على حدة، لكنها تتحول عند جمعها إلى عبء مالي ملموس خلال الموسم الدراسي.
وفي هذا السياق، انتقد الدكالي بعض الممارسات التي يقول إنها تنتشر لدى عدد من أصحاب المكتبات، من بينها رفض بيع بعض الأدوات المدرسية بشكل منفصل، ودفع المستهلك نحو اقتناء لائحة كاملة من المستلزمات، حتى في الحالات التي لا يحتاج فيها التلميذ إلى جميع محتوياتها.
ويرى أن مثل هذه الممارسات تحد من قدرة الأسر على التحكم في ميزانيتها، وتساهم في رفع قيمة الفاتورة النهائية، خصوصاً بالنسبة للعائلات التي لديها أكثر من طفل.
النقل والوجبات تضيف أعباء جديدة على الأسر
من جهتها، أكدت سعاد “ع”، أستاذة مادة الرياضيات بالسلك الإعدادي، أن الكلفة الحقيقية للدخول المدرسي تتجاوز الكتب والدفاتر والأقلام والملابس، لتشمل مجموعة واسعة من المصاريف اليومية.
وأوضحت أن الأسر مطالبة أيضاً بتوفير تكاليف التنقل والوجبات المدرسية وحقائب حفظ الطعام، إلى جانب مستلزمات أخرى تختلف باختلاف سن التلميذ ومستواه الدراسي وظروف الأسرة.
وترى الأستاذة أن هذه النفقات المتفرقة قد تكون صعبة التقدير مسبقاً، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بأسر تضم طفلين أو ثلاثة، إذ يمكن لمبالغ صغيرة ومتكررة أن تتحول في نهاية المطاف إلى فاتورة شهرية وسنوية مرتفعة.
القدرة الشرائية في مواجهة كلفة التعليم
وتعيد هذه المعطيات النقاش حول كلفة التعليم والقدرة الشرائية للأسر المغربية، خصوصاً أن الدخول المدرسي يتزامن مع مصاريف أخرى تواجهها الأسر خلال الفترة نفسها.
ويحذر الفاعلون في مجال حماية المستهلك من أن استمرار ارتفاع تكاليف التمدرس قد يزيد الضغط على الأسر، خصوصاً ذات الدخل المحدود والمتوسط، وقد يدفع بعضها إلى الاستغناء عن بعض الخدمات أو تقليص نفقات أخرى لتوفير المستلزمات الدراسية الأساسية.
كما أن ارتفاع تكاليف التعليم والنقل والدروس الخصوصية واللوازم المدرسية يطرح، من جديد، سؤال الإنصاف في الولوج إلى التعليم، خاصة بالنسبة للأسر التي تكافح لتوفير شروط تمدرس مستقرة لأبنائها.
حماية المستهلك وضبط الأسعار.. مطالب متجددة
وفي ظل هذه الضغوط، تتعالى مطالب بضرورة تعزيز حماية المستهلك خلال فترة الدخول المدرسي، ومراقبة الأسعار ومحاربة الممارسات التي قد تزيد من كلفة المستلزمات المدرسية.
كما تبرز الحاجة إلى تشجيع الأسر على التخطيط المبكر لمصاريف الدخول المدرسي، وإعداد قائمة دقيقة بالحاجيات الأساسية، ومقارنة الأسعار قبل الشراء، تفادياً للمصاريف غير الضرورية.
ويظل الهدف، وفق هذه الرؤية، هو جعل الدخول المدرسي مناسبة للعودة إلى الدراسة والتحصيل، لا محطة سنوية تستنزف ميزانية الأسرة وتعمق الضغط على قدرتها الشرائية.
الهدر المدرسي.. كلفة اجتماعية لا تقل خطورة
ويرتبط النقاش حول ارتفاع كلفة التمدرس أيضاً بملف الهدر المدرسي، الذي يمثل تحدياً مستمراً أمام المنظومة التعليمية.
فكلما ارتفعت الأعباء المالية المرتبطة بالدراسة، ازدادت الحاجة إلى ضمان حماية الأسر الأكثر هشاشة، حتى لا تتحول الظروف الاقتصادية إلى عامل إضافي يؤثر في استمرارية التلاميذ في مسارهم الدراسي.
ومن هذا المنطلق، يؤكد المتدخلون أن المدرسة العمومية مطالبة بأن تظل إحدى أهم آليات الإنصاف الاجتماعي وتكافؤ الفرص، بما يضمن للتلاميذ إمكانية متابعة دراستهم دون أن تتحول التكاليف المرتبطة بها إلى عائق أمام مستقبلهم.
وفي انتظار إجراءات أكثر فعالية لضبط الأسعار وتخفيف كلفة التمدرس، تظل الأسر المغربية أمام تحدٍ سنوي متجدد: كيف يمكن تأمين مستلزمات أبنائها الدراسية دون أن تتحول فاتورة الدخول المدرسي إلى عبء يفوق قدرتها على التحمل؟


