الافتتاح الرسمي لموسم الرعي تحت شعار ” أكدال أوكايمدن والعزيب 2026″
مع حلول العاشر أو الحادي عشر غشت الذي يتزامن مع اليوم 17 من موسم ” السمايم ” من كل سنة ، تستعيد هضبة أوكايمدن بإقليم الحوز واحداً من أقدم تقاليد الرعي الجماعي بالمنطقة، في مشهد تختلط فيه حركة قطعان الماشية ( ابقار ، ماعز وأغنام )بأهازيج الرعاة وذاكرة الأجداد، إيذاناً بانطلاق موسم عزيب أوكايمدن، أو ما يعرف محلياً بـ«أنموگار».
وقد اعطيت اليوم 10 غشت 2026 ، على الساعة التاسعة صباحا ، الانطلاقة الرسمية لنسخة هذا العام تحت شعار ” أكدال أوكايمدن والعزيب “
https://youtu.be/GGg5GCnoU4Q?si=hIYWNeOYgeGU-Ady
وراء هذا الموسم الذي يبدو للزائر احتفالاً عابراً، تختبئ منظومة تقليدية متكاملة لتدبير المراعي الجماعية، حافظت عليها ساكنة المنحدرات والأودية المجاورة جيلاً بعد جيل، وتقوم أساساً على نظام عرفي يسمى «أگدال».

«أگدال».. قانون الجبل الذي سبق القوانين الحديثة
تخضع المراعي الجماعية بنجد أوكايمدن لهذا النظام التقليدي الذي يقوم على تنظيم ولوج الرعاة إلى المراعي واستغلال مواردها، من خلال فترة محددة يمنع خلالها الرعي، حتى تستعيد المراعي عافيتها ويكتمل نمو الغطاء النباتي.
ويُغلق «أگدال» بأوكايمدن سنوياً من 15 مارس إلى 10 غشت، وهي مواعيد ظلت ساكنة المنطقة تعمل بها منذ القدم، دون الحاجة إلى تذكير أو إعلان في كل موسم، باعتبارها جزءاً من الأعراف الراسخة التي تنظم علاقة الإنسان بالمجال الجبلي وموارده الطبيعية.
وفياايوم ال 17 من السنتين ، تفتح المراعي أبوابها من جديد، لتبدأ مرحلة جديدة من الموسم الرعوي، في تقليد يجمع بين الوظيفة الاقتصادية والاجتماعية والاحتفالية.
أوريكا وغيغاية.. تقاسم للمرعى وذاكرة مشتركة
ويقسم «أگدال» أوكايمدن بين قبيلتين كبيرتين من ذوي الحقوق، هما أوريكا وغيغاية، في إطار نظام عرفي يقوم على تدبير واستغلال المجال الرعوي وفق قواعد متوارثة.

ومع حلول موعد افتتاح «أگدال»، تتجه الأنظار إلى الهضبة، حيث يصل الرعاة الرحل عشية الافتتاح، قادمين من مختلف المسالك والمناطق المجاورة، رفقة قطعانهم.
وفي اليوم الموالي ، يحتفى بوصول الرحل إلى أوكايمدن من خلال تنظيم موسم «أنموگار»، الذي يشكل مناسبة للقاء والتواصل وتجديد الروابط الاجتماعية، إلى جانب كونه محطة بارزة في دورة الرعي التقليدي بالمنطقة.
«العزيب».. قرى صغيرة في قلب الجبال
لا يقتصر المشهد على وصول الرعاة وقطعانهم إلى المراعي، بل تنتقل العائلات بدورها إلى الهضبة، لتستقر في ما يعرف محلياً بـ«العزيب».
والعزيب عبارة عن تجمعات أو قرى صغيرة خاصة بالرعاة الرحل، تشكلت تاريخياً في قلب المجال الرعوي، واعتمد بناؤها على المواد المتوفرة في البيئة المحلية.
وتبرز في هذه المباني أحجار أوكايمدن الصلبة، إلى جانب خشب العرعار المعروف برائحته المميزة ومقاومته الطبيعية للتعفن، في نموذج معماري بسيط يعكس قدرة الإنسان الجبلي على التكيف مع الطبيعة واستثمار مواردها دون تكلف.
وهنا، في أحضان الجبل، تبدأ حياة مختلفة؛ حياة مرتبطة بالمواسم والمرعى والماشية، حيث يصبح العزيب مسكناً مؤقتاً ومركزاً للحياة اليومية للرعاة وأسرهم خلال فترة الرعي.

موسم يتجاوز الاحتفال
موسم عزيب أوكايمدن ليس مجرد موعد سنوي في أجندة الاحتفالات المحلية، بل هو جزء من منظومة تراثية أوسع تكشف عن شكل من أشكال التدبير الجماعي التقليدي للموارد الطبيعية.
فـ«أگدال» يعكس وعياً قديماً بأهمية الحفاظ على المراعي وتنظيم استغلالها، بينما يجسد «العزيب» نمطاً من أنماط الاستقرار الموسمي المرتبط بالرعي، ويأتي «أنموگار» ليمنح لهذا الموعد بعده الاجتماعي والثقافي.
ومع حلول اليوم الاول من افتتاح موسم الرعي ، تستعيد هضبة أوكايمدن صورتها القديمة؛ قطعان تتوزع بين المراعي، رعاة يعبرون المسالك الجبلية، عائلات تستقر في العزيب، وذاكرة جماعية تتجدد كل سنة.
إنها حكاية جبلية عمرها أجيال، ما زالت تفاصيلها حاضرة في أوكايمدن، شاهدة على علاقة عميقة بين الإنسان والمجال، وعلى تراث عرفي استطاع أن يصمد أمام تغير الأزمنة ويحافظ على مكانته في حياة سكان الأطلس الكبير.


