أخبار الحوزمجتمع

بعد عامين من زلزال الحوز.. ذاكرة الألم لا تموت

في الثامن من شتنبر 2024، اهتزت الأرض تحت أقدام سكان عدد من مناطق الحوز ومراكش وشيشاوة وتارودانت وأقاليم أخرى، في واحدة من أكثر الليالي قسوة في الذاكرة المغربية الحديثة. لحظات قليلة كانت كافية لتتحول قرى هادئة إلى ركام، وبيوت عامرة إلى أطلال، وتُترك وراءها جراح لا تزال آثارها حاضرة إلى اليوم.

اليوم، وبعد مرور عامين على تلك الليلة الأليمة، تعود ذكرى زلزال الحوز بكل ثقلها الإنساني. تعود صور الضحايا، وأصوات الأسر التي فقدت أحباءها، وذكريات الناجين الذين وجدوا أنفسهم بين عشية وضحاها أمام واقع جديد، عنوانه الفقدان والدمار ومحاولة البدء من جديد.

عامان مرا، لكن الزمن لم يكن كافيًا لمحو تفاصيل المأساة من ذاكرة من عاشوها. فهناك من فقد أبًا أو أمًا، ابنًا أو ابنة، أخًا أو أختًا، وهناك أسر ما زالت تحمل في داخلها ألم الفقد، وذكريات الأيام الأولى التي أعقبت الكارثة، حين كان البحث عن الناجين والمفقودين يختلط بصرخات الاستغاثة وصمت الأماكن التي كانت قبل ساعات فقط تعج بالحياة.

ذاكرة الضحايا والمفقودين

في هذه الذكرى، لا ينبغي أن تكون الأرقام وحدها هي ما نتذكره، بل الإنسان قبل كل شيء.

وراء كل ضحية قصة وحياة وأسرة وأحلام توقفت فجأة تحت الأنقاض. ووراء كل مفقود أسرة لا تزال تحمل أسئلة مؤلمة، وذكريات لا تستطيع السنوات أن تمحوها.

إن تخليد ذكرى من رحلوا ليس مجرد استحضار لمأساة مضت، بل هو شكل من أشكال الوفاء لهم ولأسرهم، وتأكيد على أن أسماءهم ووجوههم وحكاياتهم ستظل جزءًا من ذاكرة هذه الأرض.

قرى تغيّرت ملامحها

لم يخلّف الزلزال خسائر بشرية فحسب، بل غيّر ملامح مناطق بأكملها. قرى جبلية فقدت جزءًا كبيرًا من عمرانها، ومنازل انهارت، ومدارس ومساجد ومرافق تضررت، فيما وجدت الأسر نفسها أمام تحدي إعادة بناء حياتها من جديد.

ومع مرور الوقت، بدأت عملية إعادة الإعمار، وعادت الحياة تدريجيًا إلى عدد من المناطق المتضررة، لكن آثار الزلزال لا تزال واضحة في أماكن عديدة، ليس فقط في المباني والطرق، وإنما أيضًا في ذاكرة السكان وفي تفاصيل حياتهم اليومية.

فإعادة بناء الحجر قد تكون مسألة وقت وإمكانات، أما ترميم الذاكرة وجبر الخواطر، فهو مسار إنساني طويل يحتاج إلى التضامن والصبر والاستمرار في مواكبة الأسر المتضررة.

تضامن لا ينبغي أن ينتهي

أظهرت الأيام الأولى للزلزال حجم التضامن الذي يمكن أن يصنعه المغاربة في أوقات المحن. مواطنون، جمعيات، متطوعون، مهنيون، وقوات عمومية، جميعهم انخرطوا في جهود الإنقاذ والإغاثة، في مشاهد ستظل راسخة في الذاكرة الجماعية.

وبعد عامين، يبقى التضامن مطلوبًا، ليس فقط في لحظات الكارثة، وإنما أيضًا خلال مرحلة التعافي وإعادة بناء الحياة.

فالمنكوب لا يحتاج إلى المساعدة في الأيام الأولى فقط، وإنما يحتاج كذلك إلى من يسانده عندما تخف الأضواء، وتعود الكاميرات إلى الوراء، ويبدأ الناس في الانشغال بحياتهم اليومية.

عامان.. والذاكرة مستمرة

الثامن من شتنبر ليس مجرد تاريخ في التقويم، بل محطة لاستحضار أرواح الضحايا، وتذكر المفقودين، والوقوف إلى جانب الأسر التي فقدت جزءًا من حياتها في تلك الليلة.

وفي ذكرى مرور عامين، تبقى الرسالة الأهم هي أن هؤلاء الضحايا لم يكونوا أرقامًا، وأن القرى التي دمرها الزلزال ليست مجرد أماكن على الخريطة، بل مجتمعات لها تاريخ وذاكرة وحكايات.

رحم الله ضحايا زلزال الحوز، وكل من فقدناهم في تلك الفاجعة، وألهم ذويهم الصبر والقوة.

والسلام والرحمة لكل من رحل، والشفاء لكل من حمل جراحًا في جسده أو ذاكرته، والتحية لكل من ساهم ويساهم في مساعدة المتضررين وإعادة بناء ما هدمته الكارثة.

بعد عامين، قد تتغير ملامح المكان، لكن ذاكرة الحوز لا تنسى.

نسأل الله أن يحفظ المغرب وأهله من كل مكروه، وأن يجعل هذه الذكرى مناسبة للوفاء للضحايا، وتجديد التضامن مع المتضررين، واستحضار قيمة الإنسان في مواجهة المحن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى