احتجاجات مهنيي سيارات الأجرة بالدار البيضاء تعيد جدل النقل عبر التطبيقات إلى الواجهة

عادت إشكالية النقل الحضري إلى واجهة النقاش في الدار البيضاء، عقب خوض عدد من مهنيي سيارات الأجرة إضراباً عن العمل وتنظيم وقفة احتجاجية، احتجاجاً على ما يعتبرونه تراكم مجموعة من الإكراهات التي باتت تؤثر على ظروف اشتغالهم ومستقبل القطاع.
ووضع المحتجون في مقدمة مطالبهم مسألة انتشار النقل غير المرخص، إلى جانب تنامي خدمات النقل عبر التطبيقات، معتبرين أن هذه الأنشطة تفرض واقعاً جديداً على سوق نقل الأشخاص، في وقت تتزايد فيه، بالمقابل، شعبية هذه الخدمات لدى شريحة من المواطنين.
المهنيون يطالبون بتنظيم المنافسة
وتأتي هذه الخطوة الاحتجاجية في سياق نقاش أوسع حول مستقبل سيارات الأجرة التقليدية ومدى قدرتها على التكيف مع التحولات التي يعرفها قطاع النقل الحضري، خصوصاً مع ظهور أنماط جديدة تعتمد على التطبيقات الرقمية.
وفي تصريحات لموقع «Rue20»، قال محمد محضي، الكاتب العام المركزي لاتحاد النقابات المهنية بالمغرب، إن الوقفة تندرج ضمن سلسلة من الاحتجاجات التي خاضتها التنسيقية على مستوى ولاية الدار البيضاء الكبرى.
وأوضح محضي أن قطاع سيارات الأجرة يعيش، وفق تعبيره، وضعاً «شائكاً»، لاسيما فيما يتعلق بالوضعية الاجتماعية والمهنية للسائقين، مشدداً على أن تحديد الوضعية القانونية والمهنية للسائق بشكل واضح يشكل، بحسب رأيه، أحد المداخل الأساسية لمعالجة اختلالات القطاع.
من جهتهم، عبّر سائقون مشاركون في الإضراب عن استيائهم من الظروف الاقتصادية والمهنية التي يشتغلون فيها، مؤكدين أن قرار التوقف عن العمل، حسب تصريحاتهم، لم يكن يرمي إلى الإضرار بمصالح المواطنين، وإنما جاء نتيجة تراكم عدد من المشاكل التي يقولون إن القطاع يواجهها منذ فترة.
ويرى مهنيون أن سيارات الأجرة أصبحت تواجه منافسة من النقل غير المرخص ومن خدمات النقل عبر التطبيقات، معتبرين أن بعض السيارات الخاصة تقوم بنقل الركاب دون تحمل الالتزامات نفسها المفروضة على السائقين المهنيين، من قبيل الضرائب والتأمينات والرخص المهنية.
وطالب أحد السائقين السلطات المختصة بتطبيق القانون على مختلف المتدخلين في مجال نقل الأشخاص، متسائلاً عن أسباب عدم تفعيل المقتضيات والدوريات المتعلقة بالنقل غير المرخص بالشكل الذي يراه مهنيو القطاع كافياً.
التطبيقات الرقمية.. منافس جديد أم تحول حتمي؟
يبرز النقل عبر التطبيقات باعتباره أحد أكثر الملفات إثارة للجدل بين المهنيين والمستخدمين.
ففي الوقت الذي يطالب فيه سائقو سيارات الأجرة بإيجاد إطار قانوني واضح لهذه الخدمات، يؤكد عدد منهم أنهم لا يعارضون، من حيث المبدأ، استعمال التكنولوجيا أو وجود التطبيقات، وإنما يطالبون بتحديد شروط ممارسة النشاط والالتزامات الواقعة على كل طرف.
ويقول مهنيون إن الحل، من وجهة نظرهم، يكمن في إدماج هذه الخدمات ضمن إطار قانوني واضح، أو اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة تجاه الأنشطة التي تتم خارج القواعد التنظيمية المعمول بها.
المواطنون يختارون التطبيق.. وهذه أبرز الأسباب
وفي الجهة المقابلة، عبّر عدد من المواطنين في الدار البيضاء، في تصريحات لموقع «Rue20»، عن تفضيلهم المتزايد لخدمات النقل الذكي، مستندين في ذلك إلى مجموعة من المزايا التي يرون أنها تجعل تجربة التنقل أكثر سهولة.
ومن بين النقاط التي أشار إليها المواطنون إمكانية طلب السيارة من الهاتف، وتحديد مكان الانطلاق والوصول، فضلاً عن معرفة تكلفة الرحلة قبل الانطلاق.
وقال أحد المواطنين إن ظروفاً عائلية دفعته إلى الاعتماد بشكل أكبر على التطبيقات، موضحاً أن مرض والدته يجعله يواجه أحياناً صعوبة في العثور على سيارة أجرة عندما يكون برفقتها.
وأضاف أن التطبيق يتيح له طلب السيارة إلى باب المنزل والاطلاع مسبقاً على تفاصيل الرحلة، معرباً عن أمله في أن يحظى كبار السن والمرضى بمزيد من الاهتمام من طرف سائقي سيارات الأجرة.
وقال المتحدث: «أتمنى من سائقي سيارات الأجرة أن يراعوا كبار السن، فهناك من يكون مريضاً أو مسناً ولا يجد من يقله».
من جهته، أوضح مواطن آخر أنه يستخدم سيارات الأجرة التقليدية والتطبيقات معاً، لكنه يميل إلى خدمات النقل الذكي، خصوصاً بسبب إمكانية تحديد نقطة الانطلاق والوصول ومعرفة السعر عبر الهاتف.
الدراجات النارية تدخل أيضاً على خط المنافسة
ولم يعد النقاش مقتصراً على سيارات الأجرة والتطبيقات، إذ أشار أحد المواطنين إلى تنامي الاعتماد على خدمات النقل بالدراجات النارية داخل الدار البيضاء.
واعتبر المتحدث أن هذه الوسيلة أصبحت عملية بالنسبة إلى بعض المستخدمين، خصوصاً في ظل الاختناق المروري الذي تعرفه المدينة، موضحاً أن بعض المسارات التي قد تستغرق وقتاً أطول بواسطة السيارة يمكن قطعها في مدة أقصر بالدراجة النارية.
ودعا في هذا السياق إلى وضع إطار قانوني ينظم مختلف أشكال النقل التي تعتمد على التطبيقات، بما يضمن للمواطن الاستفادة من هذه الخدمات في ظروف واضحة وآمنة، ويحدد في المقابل حقوق وواجبات السائقين والمنصات والمستخدمين.
بين حماية المهنة ومواكبة التحول الرقمي
وفي تصريح آخر، اعتبر أحد المواطنين أن النقل الذكي أصبح جزءاً من واقع التنقل داخل المدن، منتقداً ما وصفه برفض بعض المهنيين لمظاهر التغيير التي يشهدها القطاع.
وأشار إلى أن بعض التطبيقات تعتمد عروضاً وتحفيزات موجهة إلى الزبناء والسائقين، من بينها مكافآت وعروض مالية، وهو ما يساهم، بحسب رأيه، في تعزيز جاذبيتها لدى شريحة من المستخدمين.
كما يرى مواطنون أن عدداً من الشباب ينظرون إلى العمل عبر هذه المنصات باعتباره فرصة للحصول على دخل، في انتظار حسم الوضعية القانونية لهذا النشاط.
وفي المقابل، يركز مهنيو سيارات الأجرة على ضرورة تطبيق القانون وتنظيم المنافسة، مؤكدين أن حماية السائق المهني تمر، من وجهة نظرهم، عبر وضع قواعد موحدة تسري على جميع العاملين في مجال نقل الأشخاص.
ملف مفتوح على أكثر من احتمال
وتكشف احتجاجات الدار البيضاء عن فجوة واضحة بين واقع مهنيي سيارات الأجرة من جهة، والتحولات التي يفرضها سلوك مستخدمي النقل من جهة أخرى.
فبينما يطالب المهنيون بتنظيم المنافسة ومحاربة النقل غير المرخص وتوضيح الوضعية القانونية لخدمات التطبيقات، يطالب عدد من المواطنين بمواكبة التطور التكنولوجي وتوفير خيارات أكثر مرونة في التنقل.
وبذلك، يبدو أن مستقبل النقل الحضري في المدن المغربية يرتبط بشكل متزايد بقدرة الإطار التنظيمي على استيعاب هذه التحولات، بما يضمن حقوق المهنيين، ويحافظ على شروط السلامة وجودة الخدمة، وفي الوقت نفسه يستجيب للحاجيات المتغيرة لمستعملي وسائل النقل.
وقد أعادت احتجاجات مهنيي سيارات الأجرة بالدار البيضاء هذا الملف إلى صدارة النقاش، لتطرح من جديد سؤالاً أساسياً حول كيفية التوفيق بين نموذج النقل التقليدي ونماذج النقل الجديدة التي فرضتها التكنولوجيا وتغير عادات المواطنين.



