دليل أوريكة

مسجد وصومعة الكتبية.. معلمة مراكش الخالدة وشاهدة على مجد العمارة الموحدية

في قلب مدينة مراكش، وعلى مقربة من ساحة جامع الفنا، ترتفع صومعة الكتبية شامخة فوق أسوار المدينة الحمراء. لم تعد هذه الصومعة مجرد مئذنة يُرفع منها الأذان، بل تحولت عبر القرون إلى رمز بصري لمراكش وإحدى أشهر معالم المغرب التاريخية.

تأسيس المسجد في عهد الموحدين
يرجع بناء جامع الكتبية إلى القرن الثاني عشر الميلادي، بعد دخول الموحدين إلى مراكش سنة 1147 بقيادة الخليفة عبد المؤمن بن علي. وتشير المصادر المعمارية إلى أن الموقع يضم في الأصل مسجدين متجاورين؛ شُيّد الأول ما بين 1147 و1157، ثم أُقيم المسجد الثاني خلال السنوات اللاحقة، وهو المسجد القائم اليوم.⁠

وبحسب الدليل السياحي الرسمي لمراكش، افتُتحت الكتبية الأولى سنة 1157، قبل بناء المسجد الثاني وصومعته بأمر من الخليفة عبد المؤمن. ويتميز المسجدان بتصميم معماري أعطى أهمية خاصة لجدار القبلة وتنظيم أروقة الصلاة.⁠

⁠

ويرتبط اسم الكتبية أو الكتبيين ببائعي الكتب والمخطوطات الذين كانوا يعرضون تجارتهم في الأسواق المحيطة بالمسجد. ويكشف هذا الاسم عن الدور الثقافي الذي كان يؤديه المكان، حيث اجتمع بجواره العلماء والفقهاء والوراقون ونسّاخ الكتب.

صومعة ترتفع 77 متراً
تُعد صومعة الكتبية أبرز عنصر في هذا المركب الديني، إذ يبلغ ارتفاعها نحو 77 متراً، بينما يصل طول ضلع قاعدتها المربعة إلى قرابة 13 متراً. وقد شُيدت أساساً من الحجر الرملي، وزُينت واجهاتها بأقواس وزخارف هندسية مختلفة، إضافة إلى شريط من الخزف الأخضر والأبيض يحيط بقسمها العلوي.⁠

وفي داخل الصومعة ممرات مائلة تصعد تدريجياً نحو الأعلى، بدلاً من الاعتماد على سلالم ضيقة فقط. ويؤدي هذا النظام إلى شرفة علوية، تعلوها منارة أصغر وقبة تتوجها كرات نحاسية أصبحت جزءاً من صورتها المميزة.

وتتسم زخرفة الصومعة بالتوازن بين البساطة والجمال؛ فكل واجهة تحمل تكويناً مختلفاً من الأقواس والزخارف الحجرية، ومع ذلك تحافظ الصومعة في مجموعها على وحدة هندسية وانسجام واضحين. وقد أصبحت نسبها المعمارية نموذجاً للصوامع التي بُنيت لاحقاً في مناطق خضعت للتأثير الموحدي.⁠

شقيقة صومعة حسان والخيرالدا
تمثل الكتبية واحدة من أشهر ثلاث صوامع خلفتها الحضارة الموحدية خلال القرن الثاني عشر، إلى جانب صومعة حسان في الرباط والخيرالدا في إشبيلية، التي كانت في الأصل مئذنة للمسجد الكبير قبل تحويلها إلى برج أجراس تابع للكاتدرائية.

وتتقاسم هذه الصوامع الثلاث عدداً من السمات، أبرزها القاعدة المربعة، والارتفاع المتناسق، والأقواس المتشابكة، والزخارف الهندسية الدقيقة. وتؤكد وثائق المجلس الدولي للمعالم والمواقع أن خيرالدا إشبيلية تنافس الكتبية وصومعة حسان من حيث الحجم وأناقة الزخرفة، باعتبارها من أهم منجزات العصر الموحدي.⁠

معلمة دينية ورمز للمدينة
ما يزال جامع الكتبية يؤدي وظيفته الدينية، حيث تُقام فيه الصلوات ويرتفع الأذان من صومعته خمس مرات في اليوم. وفي الوقت نفسه، أصبح المسجد نقطة مرجعية في المشهد العمراني لمراكش؛ فمن جهته تتفرع طرق المدينة القديمة، وتظهر صومعته من مسافات بعيدة، خاصة عند الاقتراب من ساحة جامع الفنا.

وتصف منظمة اليونسكو صومعة الكتبية، بارتفاعها البالغ 77 متراً، بأنها رمز مدينة مراكش وأحد أبرز معالمها التاريخية. ويقع المسجد ضمن المدينة العتيقة المسجلة في قائمة التراث العالمي، إلى جانب الأسوار والقصبة والأبواب التاريخية والحدائق وغيرها من الشواهد العمرانية.⁠

⁠الكتبية بعد زلزال الحوز
تأثر مسجد الكتبية بزلزال الحوز الذي ضرب المنطقة في شتنبر 2023، شأنه شأن عدد من المعالم التاريخية داخل مدينة مراكش. وقد باشرت السلطات المغربية إجراءات لحماية المبنى وتدعيم أجزائه المتضررة، تحت إشراف المصالح المختصة بالتراث الثقافي.

وأشارت لجنة التراث العالمي، خلال سنة 2024، إلى معاينة أعمال التدعيم المنجزة بمسجد الكتبية، ودعت إلى مواصلة برامج ترميم المعالم المتضررة وفق تقارير علمية وتقنية تضمن الحفاظ على أصالتها المعمارية.⁠

⁠

زيارة لا تكتمل مراكش من دونها
تشكل ساحة الكتبية وحدائقها المحيطة فضاءً مناسباً للتجول والاستمتاع بإطلالات الصومعة، خصوصاً قبيل غروب الشمس، عندما تنعكس الألوان الذهبية على حجارتها الحمراء. كما يمكن للزائر مشاهدة بقايا المسجد الأول بجوار المبنى الحالي، بما يساعد على فهم المراحل التي مر منها هذا المركب الديني.

أما دخول قاعة الصلاة، فيبقى مرتبطاً بحرمة المسجد والضوابط المنظمة للأماكن الدينية، بينما تظل الساحات والحدائق المحيطة متاحة لمشاهدة الصومعة والتعرف إلى تفاصيلها الخارجية.

لقد قاومت الكتبية تقلبات الزمن لما يقارب تسعة قرون، وظلت شاهدة على تعاقب الدول والأجيال فوق أرض مراكش. وبين صوت الأذان وحركة الزوار، تواصل الصومعة أداء دورها الروحي والعمراني، محافظة على مكانتها باعتبارها منارة مراكش ورمزاً خالداً للعمارة المغربية الإسلامية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى