بين لدغة أفعى ورحلة العلاج.. وفاة شاب من أمكدال تعيد ملف الاستعجالات في جبال الحوز إلى الواجهة
لم يكن صباح ذلك اليوم في جبال الحوز يوحي بأن الساعات القليلة المقبلة ستنتهي بفاجعة ستخيم على أسرة ودوار بأكمله. الشاب مصطفى أيت وكريم، المنحدر من دوار أنمر بجماعة أمكدال والقاطن بمنطقة المحاميد بمراكش، كان في جولة وسط الحقول الزراعية، قبل أن يتعرض للدغة أفعى سامة قلبت مجرى يومه وحياته في لحظات.
وبينما تبدو لدغات الأفاعي من المخاطر التي قد تفرضها الطبيعة على سكان المناطق الجبلية، فإن وفاة مصطفى، وفق المعطيات المتداولة، تفتح من جديد نقاشاً أوسع من مجرد حادث عرضي؛ نقاشاً يتعلق بسرعة الوصول إلى العلاج، ومدى جاهزية منظومة الاستعجالات للتعامل مع حالات التسمم الناتجة عن لدغات الزواحف السامة، خصوصاً في المناطق الجبلية التي تفرض تضاريسها ومسافاتها تحديات إضافية أمام عمليات الإنقاذ.
ساعات قليلة.. وأسئلة كثيرة
ما بين فترة ما بعد الظهر وقبل حلول المساء، تحولت حادثة اللدغة إلى سباق مع الزمن لإنقاذ حياة الشاب.
وفي مثل هذه الحالات، لا يكون الخطر مرتبطاً فقط بسمّ الأفعى، وإنما أيضاً بالوقت الذي يفصل المصاب عن الرعاية الطبية المناسبة، وبسرعة نقله، وبمدى توفر التجهيزات والأدوية اللازمة للتعامل مع التسممات الخطيرة.
وهنا يطرح سؤال بسيط في صياغته، لكنه بالغ الأهمية في نتائجه:
ماذا يحدث للمواطن عندما يتعرض للدغة أفعى في دوار جبلي بعيد؟
من يتولى التدخل الأول؟
إلى أين يتم نقله؟
ما هي المؤسسة الصحية التي تستقبله؟
وهل تتوفر الإمكانيات اللازمة للتعامل مع حالته؟
وكم من الوقت يستغرق انتقاله من الدوار إلى المركز الصحي، ثم إلى المستشفى عند الحاجة؟
أسئلة لا تعني بالضرورة توجيه الاتهام إلى جهة بعينها، لكنها تفرض نفسها بقوة بعد كل حادثة مماثلة.
الحوز.. جغرافيا تجعل عامل الوقت أكثر حساسية
في المناطق الجبلية، لا يمكن قياس المسافة بالكيلومترات فقط.
فالطريق المتعرج، وبعد الدواوير عن المراكز الصحية، وصعوبة الوصول إلى بعض المناطق، وحاجة المصاب أحياناً إلى أكثر من مرحلة في مسار التكفل الطبي، كلها عوامل تجعل عامل الزمن حاسماً في الحالات الاستعجالية.
ولهذا فإن الحديث عن الاستعداد لمواجهة لدغات الأفاعي والعقارب لا ينبغي أن يقتصر على فترة الصيف أو على حملات تحسيسية موسمية، بل يفترض أن يكون جزءاً من منظومة وقائية واستعجالية تراعي خصوصية المناطق الجبلية.
فالمواطن الذي يعيش بعيداً عن المستشفى لا يحتاج فقط إلى وجود مؤسسة صحية على الخريطة، وإنما يحتاج إلى منظومة قادرة على الوصول إليه أو نقله بسرعة، ثم توفير العلاج المناسب في الوقت المناسب.
ليست الأفعى وحدها هي السؤال
من الطبيعي أن تكون الأفعى محور الحادثة، لكن وفاة مصطفى تضع أمامنا سؤالاً أكبر يتعلق بكيفية تدبير مثل هذه المخاطر في المناطق التي تعرف انتشار الزواحف السامة.
هل توجد معطيات دقيقة حول المناطق الأكثر عرضة لهذه الحوادث؟
هل يعرف السكان بشكل واضح ما ينبغي فعله في الدقائق الأولى بعد اللدغة؟
هل تتوفر المراكز الصحية المعنية على وسائل التكفل الضرورية؟
وهل هناك مسار استعجالي واضح وسريع للحالات التي تستدعي نقلاً إلى مؤسسة أكثر تجهيزا؟
إنها أسئلة صحية ومجالية في الوقت نفسه، لأن ساكن الجبل يواجه خطراً طبيعياً في بيئة تختلف كثيراً عن المدن، وبالتالي فإن الاستجابة لهذا الخطر تحتاج بدورها إلى أن تكون ملائمة لطبيعة المنطقة.
بين الحزن وضرورة معرفة ما جرى
رحيل مصطفى أيت وكريم خلف حزناً عميقاً لدى أسرته وأقاربه وأبناء المنطقة، لكن من حق أسرته، كما من حق الرأي العام المحلي، أن يعرف تفاصيل ما جرى منذ لحظة تعرضه للدغة إلى لحظة وفاته.
وهذا لا يعني إصدار أحكام مسبقة أو تحميل المسؤولية لأي طرف قبل معرفة الوقائع، وإنما يعني ببساطة ضرورة توفر الوضوح.
فإذا كانت الوفاة نتيجة تطور طبي لا يمكن تفاديه، فإن ذلك يجب أن يكون واضحاً. وإذا كشفت ظروف التكفل عن أي اختلال أو تأخر أو نقص في الوسائل، فإن من حق الجهات المختصة أن تقف عليه وتعمل على معالجته.
وفي كل الحالات، يبقى التحقيق الطبي والإداري الدقيق هو السبيل الوحيد للإجابة عن السؤال الأكثر حساسية:
هل كان بالإمكان إنقاذ حياة مصطفى لو وصل العلاج إليه في وقت أسرع؟
لا يمكن لـ”أوريكة بريس” أن تجزم بجواب في غياب معطيات رسمية وطبية كاملة، ولا ينبغي لأي جهة أن تفعل ذلك. لكن طرح السؤال مشروع، بل ضروري، لأن الغاية ليست البحث عن كبش فداء، وإنما تفادي تكرار المأساة.
عندما يصبح بُعد الدوار مسألة حياة
تُقاس جودة الخدمات العمومية أحياناً في أكثر اللحظات صعوبة.
وفي المناطق الجبلية، تظهر أهمية ذلك بشكل أوضح؛ فالطريق، والإسعاف، والمركز الصحي، والمستشفى، والتجهيزات، والأدوية، كلها حلقات في سلسلة واحدة، وأي تأخر في إحدى حلقاتها قد تكون له عواقب كبيرة عندما يتعلق الأمر بحالة استعجالية.
ولهذا فإن الحديث عن التنمية في الحوز لا ينبغي أن يتوقف عند البنيات التحتية والمشاريع الاقتصادية والسياحية، بل يجب أن يشمل أيضاً الحق في العلاج والاستجابة السريعة للحالات الطارئة، خصوصاً بالنسبة لسكان الدواوير البعيدة.
وفاة مصطفى.. دعوة إلى الوقاية قبل فوات الأوان
رحل مصطفى، لكن الحادثة ينبغي ألا تنتهي بمجرد انتهاء مراسم الدفن وانقضاء الحزن الأول.
فالمطلوب هو تحويل هذه المأساة إلى فرصة لطرح أسئلة عملية:
كيف يمكن تعزيز التوعية بمخاطر لدغات الأفاعي؟
كيف يمكن تحسين سرعة نقل المصابين من الدواوير الجبلية؟
كيف يمكن ضمان جاهزية المؤسسات الصحية للتعامل مع الحالات الخطيرة؟
وكيف يمكن تقليص الزمن الفاصل بين وقوع الإصابة والحصول على العلاج المتخصص؟
هذه ليست أسئلة تخص أسرة مصطفى وحدها، بل تخص كل أسرة تعيش في المناطق الجبلية، حيث يمكن لحادث بسيط في ظاهره أن يتحول، خلال وقت قصير، إلى حالة تهدد الحياة.
وسيظل مصطفى أيت وكريم، بالنسبة لأسرته وأبناء منطقته، أكثر من اسم في خبر عابر.
أما بالنسبة للمجال الصحي بالحوز، فإن رحيله يترك وراءه سؤالاً يستحق أن يُسمع بوضوح:
عندما يواجه مواطن في أعماق الجبل خطراً يهدد حياته، هل تكون منظومة الإنقاذ والعلاج قريبة وسريعة بما يكفي؟
سؤال نطرحه اليوم لا لإدانة أحد، وإنما بحثاً عن جواب قد يساعد على إنقاذ حياة أخرى غداً.
أوريكة بريس – الحوز



