موسم ستي فاضمة بأوريكة.. حين تتحول الذاكرة الشعبية إلى موعد سنوي يجمع الروحانية والموروث الأمازيغي والحركية الاقتصادية
في قلب وادي أوريكة، وبين سفوح الأطلس الكبير، لا يمر شهر غشت كسائر أشهر السنة؛ إذ تستعد المنطقة لاستقبال واحد من أبرز مواعيدها التقليدية، موسم لالة ستي فاضمة، الذي ظل على مدى أجيال موعداً سنوياً تتقاطع فيه الذاكرة الجماعية مع العادات المحلية، والطقوس الروحية مع الموروث الأمازيغي، والحضور الاجتماعي مع الحركة التجارية والاقتصادية.
وبحسب ما توارثه سكان المنطقة، ينطلق الموسم ابتداء من 10 أو 11 غشت، وفق اختلاف احتساب التاريخ المرتبط بالتقويم الهجري، والذي يتزامن مع السابع عشر من السمايم، ليحوله إلى محطة ينتظرها سكان ستي فاضمة والدواوير والقبائل المجاورة لحوض أوريكة، فضلاً عن عدد من الزوار الذين يقصدون المنطقة لاكتشاف هذا الموروث الشعبي المتجذر.
وفي إطار سلسلة «دليل أوريكة السياحي»، عمل موقع أوريكة بريس على توثيق عدد من تفاصيل هذا الموعد السنوي بالصوت والصورة، من خلال الحضور الميداني ومتابعة الطقوس والمظاهر الاجتماعية والثقافية والاقتصادية التي ترافق الموسم.

موسم يتجاوز حدود الزيارة الدينية
قد يبدو موسم لالة ستي فاضمة، للوهلة الأولى، مناسبة مرتبطة بالضريح والزيارة، غير أن الحضور الميداني يكشف أن الحدث أكبر من ذلك بكثير.
فالموسم يمثل بالنسبة إلى سكان المنطقة موعداً سنوياً لاستحضار الذاكرة والعودة إلى المكان وتجديد العلاقات الاجتماعية، كما يشكل مناسبة تلتقي خلالها عائلات ودواوير وقبائل من مختلف المناطق المحيطة بوادي أوريكة.
وهنا تكمن خصوصية المواسم التقليدية في مناطق الأطلس؛ فهي لم تكن تاريخياً مجرد مناسبات دينية، وإنما كانت أيضاً فضاءات للتعارف والتواصل وتبادل الأخبار وتجديد الروابط بين المجموعات السكانية، خصوصاً في المناطق الجبلية التي كانت الدواوير فيها متباعدة بفعل طبيعة التضاريس.
يوم الافتتاح.. الموعد الذي تنتظره القبائل والدواوير
يبقى يوم افتتاح موسم لالة ستي فاضمة من أكثر لحظات الموسم أهمية، خصوصاً بالنسبة إلى سكان المنطقة والقبائل والدواوير المشاركة في هذه المناسبة.
فبعد صلاة العصر، تبدأ مراسم استقبال الوفود وأعيان القبائل، في أجواء يغلب عليها الطابع الروحي، حيث يتلو أئمة المساجد آيات من القرآن الكريم، تتبعها الصلاة والسلام على النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ثم الدعاء لعاهل البلاد وللمملكة المغربية بالنماء والازدهار.
وتحظى هذه اللحظات بحضور لافت من أبناء المنطقة والوفود المشاركة، في مشهد يجمع بين الطقس الديني والبعد الاجتماعي، ويعكس مكانة الموسم داخل الذاكرة المحلية.

الذبيحة الجماعية.. تقليد راسخ في ذاكرة الموسم
بعد اختتام الدعاء، تعطى الإشارة لإخراج الذبيحة التي يتم نحرها في المكان التقليدي المعروف بالقرب من شجرة الجوز، قبل أن تلتحق بها الأغنام التي تساهم بها بعض القبائل المجاورة.
وتتخذ هذه العملية طابعاً جماعياً، قبل أن يعلن المؤذن في الحاضرين مرحباً بالضيوف والوفود المشاركة، لتبدأ بعد ذلك عملية إطعام الجميع.
وتتولى مجموعة من النساء المتطوعات مهمة إعداد الطعام، في صورة تختزل أحد أبرز أوجه التعاون والتضامن الاجتماعي الذي ما زال حاضراً في هذا الموعد السنوي.
ولا تكمن أهمية هذه الممارسة في بعدها الغذائي فقط، بل في بعدها الرمزي أيضاً؛ إذ تتحول عملية إعداد الطعام وتوزيعه إلى لحظة تجمع أبناء المنطقة والضيوف حول مائدة واحدة، وتعيد إنتاج قيمة الضيافة الجماعية التي ارتبطت بالمجتمعات الجبلية منذ أجيال.

سوق الدواب.. تقليد تجاري يسبق انطلاق الموسم
ولا تبدأ الحركية المرتبطة بالموسم مع يوم الافتتاح فقط، إذ جرت العادة أن يعرف محيط المنطقة افتتاح سوق للدواب قرب الزاوية زوال يوم التاسع من غشت، ليستمر طيلة أيام الموسم.
ويمثل هذا السوق جانباً آخر من جوانب الموسم، إذ يستقطب المتعاملين في المواشي والدواب، ويضيف إلى المناسبة بعداً تجارياً كان حاضراً في عدد من المواسم التقليدية بالمناطق القروية والجبلية.
وهكذا تتحول أيام الموسم إلى فترة تعرف خلالها المنطقة حركة ملحوظة في التجارة والخدمات، مستفيدة من العدد الكبير من الأشخاص الذين يتوافدون عليها.
الموسم ينعش الاقتصاد المحلي
الحركية الاقتصادية لا تقتصر على سوق الدواب، بل تمتد إلى مختلف الأنشطة المرتبطة باستقبال الزوار.
فخلال أيام الموسم، تنتعش تجارة المنتجات المحلية والمأكولات التقليدية، إلى جانب عدد من الأنشطة والحرف والخدمات التي تستفيد من ارتفاع عدد الوافدين.
وتشكل هذه الفترة فرصة بالنسبة إلى عدد من الأسر والمهنيين لتحسين مداخيلهم، كما تمنح المنتجات المحلية مساحة أكبر للتعريف بها وتسويقها أمام الزوار القادمين من مختلف المناطق.
ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى الموسم باعتباره رافعة اقتصادية موسمية، وإن كانت محدودة زمنياً، إلا أنها تخلق دورة تجارية مهمة بالنسبة إلى عدد من الفاعلين المحليين.
طقوس الزيارة.. بين الموروث الديني والعادات الشعبية
تحيط بزيارة ضريح لالة ستي فاضمة مجموعة من الممارسات التي تناقلتها الأجيال، وتعكس تداخل الموروث المحلي مع الثقافة الدينية والشعبية التي ارتبطت تاريخياً بالأضرحة والمواسم في مناطق الأطلس.
وتختلف هذه الممارسات بحسب الأسر والمناطق والعادات المتوارثة، ومن بينها زيارة الضريح وبعض أشكال التبرك، وإشعال الشموع والبخور، إلى جانب تقديم الذبائح في بعض المناسبات.
وبغض النظر عن اختلاف النظرة إلى هذه الممارسات، فإنها تظل جزءاً من المشهد الثقافي والاجتماعي الذي ارتبط بالموسم عبر الزمن، وتساعد على فهم الطريقة التي حافظ بها المجتمع المحلي على ذاكرته الشعبية.

أحواش.. حين تتحول ساحة الموسم إلى مسرح مفتوح
إذا كان الجانب الروحي يحتل موقعاً أساسياً في الموسم، فإن الجانب الفني والثقافي يمنحه أيضاً خصوصية واضحة.
فمع حلول الليل، تنتقل أجواء الموسم إلى ساحة قريبة من الوادي، حيث تقدم فرق أحواش عروضاً جماعية تستقطب أعداداً كبيرة من المتفرجين.
وتتحول الساحة إلى فضاء مفتوح للغناء والإيقاع والحركة الجماعية، فيما تستمر العروض إلى ساعات متأخرة من الليل، وسط حضور جماهيري لافت.
وتشكل هذه العروض فرصة لاستحضار جانب من الموسيقى والأداء الجماعي الأمازيغي، كما تمنح الأجيال الجديدة فرصة للتعرف على أشكال فنية شعبية ظلت مرتبطة بالمناسبات والاحتفالات الجماعية في المنطقة.
ومن خلال توثيق هذه المشاهد بالصوت والصورة، يسعى أوريكة بريس إلى نقل تفاصيل الموسم كما يعيشها أبناء المنطقة، وليس فقط كما توصف في الكتابات أو الصور الثابتة.

لالة ستي فاضمة.. رمز حاضر في الذاكرة الجماعية
لا يحتل ضريح لالة ستي فاضمة مكانته باعتباره مجرد موقع للزيارة، بل يرتبط اسمه بذاكرة جماعية واسعة لدى سكان المنطقة.
فالاسم نفسه أصبح جزءاً من هوية المكان، ومن تاريخ المنطقة وحكاياتها الشعبية، كما ارتبط بمجموعة من الروايات والمعتقدات والممارسات التي تناقلتها الأجيال.
وتكشف مكانة لالة ستي فاضمة أيضاً عن حضور الشخصيات النسائية الصالحة داخل الذاكرة الروحية للمجتمعات الجبلية، حيث احتفظت بعض النساء بمكانة رمزية وروحية جعلت أسماءهن مرتبطة بأماكن ومواسم ومناسبات تستمر إلى اليوم.
وبالنسبة إلى سكان ستي فاضمة وأبناء أوريكة، فإن الموسم يمثل، في جانب منه، عودة سنوية إلى هذه الذاكرة وإعادة وصل الحاضر بالماضي.
موسم يحفظ جانباً من هوية أوريكة
من خلال مختلف تفاصيله، يبدو واضحاً أن موسم لالة ستي فاضمة يشكل لوحة متعددة الأبعاد.
ففيه الروحانية والزيارة، والضيافة والتضامن، والذاكرة واللقاء، والسوق والتجارة، وأحواش والموسيقى الأمازيغية.
وهذه العناصر مجتمعة تجعل الموسم جزءاً من التراث غير المادي للمنطقة، وتمنحه أهمية تتجاوز أيام انعقاده، باعتباره مناسبة تفتح نافذة على طبيعة العلاقات الاجتماعية وعلى جانب من العادات التي حافظ عليها سكان المنطقة رغم التحولات التي عرفها المجتمع.

أوريكة بريس.. توثيق الموروث بالصوت والصورة
وانطلاقاً من اهتمامه بتوثيق التراث المحلي والتعريف بالمؤهلات السياحية والثقافية لوادي أوريكة، خصص موقع أوريكة بريس جانباً من سلسلة «دليل أوريكة السياحي» لموسم لالة ستي فاضمة.
ولا يقتصر هذا التوثيق على نقل المعلومات، بل يسعى إلى الاقتراب من التفاصيل التي قد لا تظهر في الصور وحدها، من خلال تسجيل المشاهد والأصوات والطقوس واللقاءات التي ترافق الموسم.
فالهدف هو حفظ جزء من الذاكرة المحلية للأجيال المقبلة، وفي الوقت نفسه تعريف الزائر والباحث والمهتم بتاريخ أوريكة بخصوصية هذا الموعد السنوي.
موسم بين الماضي والحاضر
مع استمرار موسم لالة ستي فاضمة عاماً بعد آخر، يظل السؤال المطروح هو كيفية الحفاظ على هذا الموروث في ظل التحولات الاجتماعية والسياحية المتسارعة التي تعرفها منطقة أوريكة.
فالموسم اليوم لا يعيش فقط في ذاكرة كبار السن، وإنما تحاول الأجيال الجديدة أيضاً الحفاظ على حضوره، سواء من خلال المشاركة في فعالياته أو توثيقه بالصورة والفيديو أو التعريف به عبر وسائل الإعلام والمنصات الرقمية.
ومن هنا، فإن توثيق مثل هذه المناسبات لا يمثل مجرد تغطية لحدث موسمي، بل يساهم في حفظ الذاكرة المحلية وإبراز التنوع الثقافي لأوريكة وإقليم الحوز.
خلاصة.. موسم تختصر فيه أوريكة جزءاً من ذاكرتها
موسم لالة ستي فاضمة ليس مجرد موعد يتكرر في شهر غشت، بل هو مناسبة تختصر جانباً من تاريخ أوريكة وذاكرتها الاجتماعية والثقافية.
فبين طقوس الافتتاح، واستقبال الوفود، والذبيحة الجماعية، ومائدة الطعام التي تشرف عليها النساء المتطوعات، وسوق الدواب، والحركة التجارية، وزيارات الضريح، ثم ليالي أحواش التي تجمع الآلاف قرب الوادي، تتشكل صورة متكاملة لموسم ظل حاضراً في وجدان المنطقة.
ومن خلال توثيقه بالصوت والصورة، يحاول أوريكة بريس أن يجعل هذه التفاصيل متاحة للأجيال الحالية والقادمة، حتى لا تبقى ذاكرة الموسم حبيسة الروايات الشفوية، بل تتحول إلى مادة موثقة تساعد على فهم جانب من تاريخ أوريكة وموروثها الأمازيغي والاجتماعي.
إن موسم لالة ستي فاضمة، بكل ما يحمله من طقوس وذاكرة وفنون وتجارة وضيافة، يظل واحداً من المواعيد التي تكشف أن السياحة في أوريكة لا ترتبط فقط بجمال الجبال والوادي والشلالات، وإنما تمتد أيضاً إلى الإنسان، والذاكرة، والثقافة، والتقاليد التي تمنح المكان روحه وهويته.



