أخبار المغرب

حادثة أمسكرود تعيد النقاش حول مراقبة الشاحنات والحافلات وشروط السلامة على الطرق المغربية

أعادت الفاجعة الطرقية التي شهدها منحدر أمسكرود بالطريق السيار الرابط بين مراكش وأكادير، يوم 31 أكتوبر 2026، ملف السلامة الطرقية إلى واجهة النقاش، مسلطة الضوء على مجموعة من الإشكالات المرتبطة بمراقبة وسائل النقل المهني، ومدى التقيد بالمعايير القانونية والتقنية التي يفترض توفرها في الشاحنات والحافلات قبل استعمال الطرق.

ولم تعد خطورة حوادث السير المرتبطة بالمركبات الثقيلة تقتصر على سلوك السائقين أو ظروف القيادة، بل أصبحت تفرض مساءلة أوسع حول مدى نجاعة منظومة المراقبة، وقدرتها على رصد الاختلالات الميكانيكية والتجاوزات المرتبطة بالحمولة والسرعة، قبل أن تتحول إلى كوارث تهدد أرواح مستعملي الطريق.

وتبرز الحمولة الزائدة ضمن أبرز العوامل التي تستوجب تشديد المراقبة على الشاحنات، بالنظر إلى انعكاساتها المحتملة على توازن المركبة وفعالية المكابح، خصوصاً أثناء السير في المنحدرات الطويلة التي تتطلب جاهزية تقنية عالية وقدرة أكبر على التحكم في المركبات.

ومن هذا المنطلق، تبرز ضرورة تكثيف عمليات مراقبة أوزان الشاحنات، والتأكد من احترامها للحمولات المحددة قانوناً، بالتوازي مع إخضاع أنظمة الفرملة والعجلات ومختلف التجهيزات الميكانيكية لفحوص دقيقة ومنتظمة، تفادياً لاستعمال مركبات قد تشكل خطراً على الطريق.

كما تستدعي الشاحنات المخصصة لنقل المواد كبيرة الحجم، لاسيما التبن والقش، اهتماماً خاصاً من طرف أجهزة المراقبة، بالنظر إلى المخاطر التي قد تنتج عن تجاوز الأبعاد المسموح بها أو عدم تثبيت الحمولة بشكل محكم، الأمر الذي يفرض التأكد من احترام شروط الشحن والتأمين قبل انطلاق هذه المركبات.

ولا يقتصر الأمر على نقل البضائع، إذ يظل قطاع نقل المسافرين بدوره مطالباً بتعزيز شروط السلامة، من خلال التأكد من سلامة الحافلات من الناحية الميكانيكية، وتوفرها على أحزمة الأمان الصالحة للاستعمال، مع ضمان احترام قواعد استخدامها من طرف الركاب، خاصة خلال الرحلات الطويلة.

وفي ظل التطور التكنولوجي، بات من الضروري التفكير في توسيع الاعتماد على وسائل المراقبة الرقمية داخل قطاع النقل المهني، بما فيها أنظمة تحديد المواقع والتتبع عبر الأقمار الاصطناعية، والتقنيات القادرة على تسجيل السرعة ومراقبة أوقات القيادة وفترات الراحة، مع تمكين الشركات المشغلة من الاطلاع على التجاوزات المسجلة والتدخل بشأنها.

لكن توفر هذه التقنيات لا يكفي وحده لضمان السلامة، ما لم تتم مواكبته بآليات عملية لتحليل المعطيات المتوفرة والتعامل بجدية مع المخالفات، من خلال إجراءات زجرية وتدابير تصحيحية تحول دون تكرار السلوكيات التي قد تعرض حياة السائقين والركاب وباقي مستعملي الطريق للخطر.

ومن جهة أخرى، فإن المسؤولية عن سلامة النقل المهني لا ينبغي أن تُختزل في شخص السائق، بل تمتد إلى أصحاب الشاحنات والحافلات والشركات المكلفة بتدبيرها، فضلاً عن الجهات المعنية بالمراقبة التقنية والتنظيمية، وهو ما يقتضي تعزيز التنسيق بين مختلف المتدخلين وربط المسؤولية بالمحاسبة عند ثبوت أي إخلال بالالتزامات القانونية.

وعلى مستوى البنية الطرقية، تطرح الحوادث المسجلة ببعض المحاور، وخاصة المقاطع التي تتخللها منحدرات حادة وطويلة، ضرورة إعادة تقييم شروط السلامة والتجهيزات المتوفرة بها، بما يشمل التشوير الطرقي ووسائل التحذير والحواجز الواقية، ومدى الحاجة إلى اعتماد تدابير إضافية تراعي خصوصية حركة الشاحنات والحافلات.

وبينما تظل أسباب حادثة أمسكرود والمسؤوليات المحتملة بشأنها رهينة بما ستكشف عنه التحقيقات الرسمية، فإن تداعياتها تعيد إلى الواجهة سؤالاً أساسياً: هل تنجح منظومة السلامة الطرقية في المغرب في اكتشاف المخاطر والتجاوزات قبل وقوع الكارثة، أم أن التدخل يظل في كثير من الأحيان مرتبطاً بما بعد تسجيل الحوادث والخسائر البشرية؟

إن الحد من نزيف الطرق يتطلب الانتقال إلى مقاربة استباقية تجعل المراقبة التقنية والوقاية واحترام شروط النقل المهني ركائز أساسية، بدل الاكتفاء بتشخيص أسباب الحوادث بعد وقوعها، خاصة في ظل تنامي حركة الشاحنات والحافلات على الطرق الوطنية والسيارة، وما يفرضه ذلك من ضرورة تطوير آليات الرقابة والرفع من مستوى شروط السلامة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى