دليل أوريكة

النقوش الصخرية بأوكايمدن.. متحف مفتوح لفجر التاريخ في قلب الأطلس الكبير

دليل اوريكة السياحي – اوريكة بريس

مدخل
على ارتفاع يفوق 2600 متر عن سطح البحر، حيث تتحول محطة أوكايمدن خلال فصل الشتاء إلى قبلة لعشاق الثلج والتزلج، تختبئ في ثنايا الهضبة، وعلى مقربة من مداخلها ومسالكها الجبلية، ثروة أثرية نادرة لا يعرفها كثير من زوار المنطقة: مئات النقوش المحفورة على الصخور، والتي تحمل في صمتها ذاكرة إنسان عاش في هذه المرتفعات أو مر بها منذ آلاف السنين.
فبعيدًا عن صورتها السياحية المرتبطة بالثلوج والتزلج، تكشف أوكايمدن عن وجه آخر أكثر عمقًا؛ فهي واحدة من أبرز مواقع الفن الصخري في المغرب وشمال إفريقيا، وتشكل، إلى جانب هضبة ياغورت وجبل راث، قلب واحدة من أهم مجموعات الفن الصخري في الأطلس الكبير.
وعلى هذه الصخور، ترك الإنسان القديم صورًا لحيوانات وأسلحة وأشكال بشرية ورموزًا هندسية، لتتحول الهضبة مع مرور آلاف السنين إلى ما يشبه متحفًا مفتوحًا في الهواء الطلق.


أوكايمدن.. جغرافيا استثنائية وذاكرة أقدم من المنتجع
تقع هضبة أوكايمدن في قلب الأطلس الكبير، على مسافة تقارب 75 إلى 76 كيلومترًا من مدينة مراكش، وتوجد المنطقة على ارتفاعات شاهقة تصل إلى نحو 3260 مترًا في أعلى قممها، بينما يقع وادي أوكايمدن والهضبة التي تحتضن معظم النقوش على ارتفاع يقارب 2630 مترًا.
وتتميز المنطقة بطبيعة جبلية قاسية شتاءً، ومراعٍ غنية خلال فصل الصيف، وهو ما جعلها منذ عصور بعيدة فضاءً ملائمًا للرعي الموسمي والتنقل بين المرتفعات والمناطق الأدنى.
وتكشف الدراسات الأثرية أن استغلال هذه المرتفعات لم يكن ظاهرة حديثة، بل يرتبط بتاريخ طويل من الحضور البشري والرعي والتنقل الموسمي، وهي ممارسات استمرت بأشكال مختلفة إلى الأزمنة التاريخية، بل ظل الرعي الموسمي حاضرًا في المنطقة إلى اليوم.
وتنتمي أوكايمدن ضمن هذا السياق إلى منظومة أوسع من مواقع الفن الصخري بالأطلس الكبير، في مقدمتها هضبة ياغورت وجبل راث، حيث تتجمع آلاف النقوش في مرتفعات تفوق في معظمها 2000 متر عن سطح البحر.


تاريخ محفور على الحجر
تثير نقوش أوكايمدن منذ عقود اهتمام علماء الآثار والباحثين، غير أن مسألة تأريخها ظلت موضوع نقاش علمي مستمر.
فلا توجد طريقة واحدة تسمح بتحديد تاريخ كل نقش بصورة مباشرة، ولذلك يعتمد الباحثون على مجموعة من المؤشرات، من بينها أسلوب النقش، وتراكب الرسوم فوق بعضها، والأنماط الفنية، ومقارنة الأسلحة المنقوشة بنماذج أثرية عُثر عليها في مواقع أخرى.
وتشير بعض الدراسات إلى أن بداية الفن الصخري في أوكايمدن يمكن أن تعود إلى أواخر العصر الحجري الحديث، بينما تشير قراءات أخرى إلى فترات لاحقة؛ ولذلك فإن الحديث عن تاريخ واحد ونهائي لجميع النقوش سيكون تبسيطًا لمسألة ما تزال محل نقاش بين المتخصصين.
وتكتسب نقوش الأسلحة أهمية خاصة في هذا النقاش؛ فقد قورنت بعض الخناجر والهلابرد المنقوشة في أوكايمدن وياغورت بأسلحة حقيقية اكتُشفت في مواقع من العصر البرونزي في شبه الجزيرة الإيبيرية، ولا سيما جنوب إسبانيا، وهو ما مكّن الباحثين من وضع جزء من هذه النقوش ضمن إطار زمني يعود إلى الألفية الثانية قبل الميلاد، مع استمرار وجود نقوش وأشكال أخرى في فترات لاحقة.
أما بعض الباحثين فقد اقترحوا تسلسلات زمنية تمتد تقريبًا من 1600 قبل الميلاد إلى 600 قبل الميلاد بالنسبة إلى بعض مجموعات الأشكال البشرية، في حين تسمح دراسات أخرى بإطار أوسع يبدأ من العصر الحجري الحديث ويمتد إلى العصر البرونزي مع استمرار بعض النقوش إلى الفترات التاريخية.
وبذلك، فإن الأصح علميًا أن نقول إن نقوش أوكايمدن لم تُنجز في فترة واحدة، وإنما تراكمت على مدى فترات زمنية متعاقبة، بعضها يعود إلى عصور ما قبل التاريخ، وبعضها إلى العصر البرونزي، وصولًا إلى فترات تاريخية لاحقة.


ماذا تحكي هذه الصخور؟
تشكل النقوش المسجلة في وادي أوكايمدن سجلًا متنوعًا للغاية.
وتشير الدراسات المتخصصة إلى توثيق 249 محطة للفن الصخري تضم 1068 تمثيلًا فرديًا، وهو رقم يكشف حجم هذا التراث الذي ينتشر في مساحة واسعة من الهضبة والوادي.
وتتوزع التمثيلات على فئات متعددة، من بينها الأشكال الحيوانية والبشرية والأسلحة والرموز والعناصر ذات الطابع الإثنوغرافي، إضافة إلى بعض النقوش غير المحددة وأخرى أحدث.
الحيوانات.. أقدم ذاكرة على الصخور
تعد الأشكال الحيوانية من أبرز عناصر الفن الصخري في أوكايمدن، ويعتقد الباحثون أنها تمثل إحدى أقدم مراحل النقش في المنطقة.
وتظهر بين هذه التمثيلات حيوانات برية وأخرى مرتبطة بحياة الرعي، من بينها الأبقار وغيرها من الحيوانات التي عاشت أو ارتبطت بالمشهد الطبيعي والاقتصادي للإنسان القديم.
وتكتسب بعض اللوحات أهمية استثنائية، وفي مقدمتها الجدارية الصخرية التي يبلغ طولها نحو ثلاثة أمتار، والتي تضم مجموعة من الحيوانات والأشكال البشرية، من بينها ثلاثة أفيال ووحيد قرن، إلى جانب شخصيتين بشريتين، كما تتضمن عناصر أخرى أضيفت في سياقات زمنية مختلفة.
وقد خضعت هذه الجدارية لدراسة خاصة خلال أعمال بحثية ميدانية، ما جعلها من أشهر المشاهد الصخرية المرتبطة بموقع أوكايمدن.
ومن المهم هنا التنبيه إلى أن تحديد هوية بعض الحيوانات المنقوشة أو تفسير وضعيات الشخصيات البشرية لا يخلو من نقاش بين الباحثين، ولذلك تبقى بعض القراءات في إطار الترجيح العلمي وليس الحقيقة النهائية.
الأسلحة.. حين تغيّرت لغة الحجر


من أكثر ما يميز فن أوكايمدن الصخري كثرة تمثيلات الأسلحة.
وتضم هذه المجموعة الخناجر والهلابرد والهراوات والسيوف والفؤوس والرماح والسهام والدروع وغيرها من الأشكال التي تمثل أدوات قتالية أو أسلحة معروفة من خلال المقارنات الأثرية.
وقد أصبحت هذه الأسلحة مفتاحًا مهمًا في محاولة فهم التسلسل الزمني للنقوش، خصوصًا أن بعض أشكالها تشبه نماذج أثرية معروفة في العصر البرونزي بشبه الجزيرة الإيبيرية.
ويبدو أن ظهور الأسلحة في الفن الصخري يمثل تحولًا مهمًا في مضمون الرسوم، إذ تراجعت تدريجيًا بعض التمثيلات الحيوانية وبرزت الأسلحة والأشكال البشرية، وهو ما دفع عددًا من الباحثين إلى ربط هذه التحولات بتغيرات اجتماعية وثقافية واقتصادية عرفتها المجتمعات التي استغلت هذه المرتفعات.
الإنسان والرموز.. أسئلة ما تزال مفتوحة
إلى جانب الحيوانات والأسلحة، تضم صخور أوكايمدن أشكالًا بشرية ورموزًا هندسية وعناصر أخرى يصعب أحيانًا تحديد معناها.
وبعض هذه الأشكال يبدو شديد الواقعية، بينما تتحول أشكال أخرى تدريجيًا نحو التجريد والتبسيط، وهي ملاحظة اعتمد عليها الباحثون في دراسة التطور الفني والزمني للنقوش.
أما دلالات الكثير من الرموز، فما تزال غير محسومة؛ إذ لا توجد نصوص مرافقة تسمح لنا بمعرفة ما كان يفكر فيه الإنسان الذي نقشها قبل آلاف السنين.
وهنا تحديدًا تكمن جاذبية الفن الصخري: فهو يفتح أمام الباحث والزائر نافذة على عالم قديم، لكنه يترك في الوقت نفسه أسئلة كثيرة بلا أجوبة نهائية.
كيف كان الإنسان ينقش على الصخر؟
لم تكن النقوش نتاج أدوات حديثة، بل اعتمد صانعوها أساسًا على تقنية النقر أو الطرق المتكرر على سطح الصخر بواسطة أداة صلبة، وهي التقنية التي تظهر في أكثر من ألف تمثيل موثق في أوكايمدن.
كما استُخدمت تقنية الحك أو الصقل في عدد من الحالات، وسُجل استعمال محدود جدًا للحفر بخط رفيع.
وتكشف دراسة سطح الصخر والطبقة المتشكلة فوق المناطق المنقوشة، إلى جانب درجة التآكل والتراكب بين الرسوم، عن معلومات تساعد الباحثين على بناء تسلسل نسبي للنقوش.
لكن هذه المؤشرات لا تعني أن بالإمكان إعطاء تاريخ دقيق لكل نقش؛ فالتأريخ المباشر للفن الصخري يظل من أصعب المسائل التي تواجه الباحثين في هذا المجال.


أوكايمدن وياغورت.. ذاكرة صخرية واحدة في فضاء جبلي واسع
لا يمكن قراءة نقوش أوكايمدن بمعزل عن محيطها.
فهضبة ياغورت، الواقعة إلى الشمال الشرقي من أوكايمدن، تشكل أحد المراكز الكبرى الأخرى للفن الصخري في الأطلس الكبير، إلى جانب جبل راث.
وتشير الدراسات إلى أن هذه المواقع الثلاثة تمثل النواة الأساسية لمجموعة مميزة من الفن الصخري في الأطلس الكبير، حيث توجد آلاف النقوش على المرتفعات الجبلية، ولا سيما تمثيلات الأسلحة والأبقار والأشكال البشرية والرموز الهندسية.
وتتجاوز أهمية التشابه بين أوكايمدن وياغورت مجرد التقارب الجغرافي؛ فكلتاهما ارتبطتا بالمراعي الجبلية والاستغلال الموسمي للمرتفعات، وهو ما دفع الباحثين إلى دراسة العلاقة بين الفن الصخري والمشهد الطبيعي وحركة الإنسان داخل هذه المجالات.
ومن هنا تبرز أهمية الانتقال مستقبلًا إلى ياغورت، ليس فقط من أجل تصوير نقوش جديدة، وإنما لمحاولة قراءة هذا التراث في إطار جغرافي وثقافي أوسع.
من اكتشف هذه النقوش وبدأ دراستها؟
رغم أن سكان المنطقة كانوا يعرفون الصخور والنقوش الموجودة في محيطهم، فإن بداية الدراسة العلمية الحديثة للفن الصخري بأوكايمدن تعود إلى منتصف القرن العشرين.
وفي سنة 1949 بدأ الباحث الفرنسي جان مالهوم Jean Malhomme دراسة النقوش وتوثيقها، ثم واصل أبحاثه خلال خمسينيات القرن الماضي، قبل أن تتوالى بعد ذلك أعمال باحثين آخرين، من بينهم جودان وسيمونو وألان رودريغ وغيرهم.
وقد شكل نشر Corpus des Gravures Rupestres du Grand Atlas محطة أساسية في تاريخ دراسة النقوش الصخرية بالأطلس الكبير، قبل أن تتواصل الأبحاث الحديثة باستخدام أساليب تحليلية وتقنيات جديدة.


أبحاث ميدانية حديثة.. ماذا وجد الباحثون تحت الصخور؟
لم تتوقف الدراسات عند توثيق الرسوم الموجودة فوق الصخور، بل حاول باحثون أيضًا معرفة طبيعة العلاقة بين هذه النقوش والأشخاص الذين عاشوا في المنطقة أو استعملوها.
وفي إطار برنامج Desert Patina الأوروبي، أجريت أعمال ميدانية وحُفرت سبع خنادق اختبارية في وادي أوكايمدن، كان أحدها أسفل الجدارية الصخرية الشهيرة التي تضم الأفيال ووحيد القرن والأشكال البشرية.
وعُثر في أحد هذه السياقات على موقد أعطى تأريخًا بالكربون المشع يتراوح بين نحو 900 و750 قبل الميلاد وفق التأريخ المعاير.
لكن الباحثين أنفسهم حذروا من اعتبار هذا التاريخ تاريخًا مباشرًا لإنجاز الجدارية؛ فوجود الموقد أسفل النقش لا يثبت بالضرورة أن الأشخاص الذين استعملوه هم أنفسهم من قاموا بنقش جميع الأشكال الموجودة فوق الصخرة.
وهذا المثال وحده يوضح مدى تعقيد مهمة علماء الآثار في محاولة تحديد عمر هذه الأعمال الفنية القديمة.
موقع استثنائي يواجه تحديات الحماية
تمنح النقوش الصخرية أوكايمدن قيمة علمية وثقافية وسياحية استثنائية، لكنها في الوقت نفسه تجعل الموقع أمام مسؤولية كبيرة تتعلق بالحفاظ عليه.
فالنقوش مكشوفة في الهواء الطلق، وبعضها يوجد في أماكن يمكن الوصول إليها بسهولة، وهو ما يجعلها عرضة لعوامل التعرية الطبيعية، فضلاً عن الضغط الناتج عن النشاط السياحي والتدخل البشري.
وقد أشارت دراسات ومصادر متخصصة إلى أن بعض أجزاء الموقع تعرضت عبر الزمن لأضرار مرتبطة بالتوسع العمراني والمنشآت السياحية، إضافة إلى أعمال تخريب بشرية.
ومن هنا فإن تثمين الموقع سياحيًا ينبغي أن يسير بالتوازي مع حمايته، لأن القيمة الحقيقية لهذه الصخور ليست في عدد الزوار الذين يقفون أمامها فقط، وإنما في قدرتها على البقاء شاهدة على تاريخ الإنسان لأجيال أخرى.


كيف يمكن زيارة النقوش الصخرية بأوكايمدن؟
بالنسبة للراغبين في اكتشاف هذا الجانب الخفي من أوكايمدن، فإن فصل الصيف وبداية الخريف يقدمان ظروفًا أكثر ملاءمة للمشي والاستكشاف، بعيدًا عن ظروف الثلوج والبرد القارس التي تميز الشتاء.
وتنتشر النقوش في عدة مناطق من الوادي، ولذلك فإن الاستعانة بشخص يعرف تضاريس المنطقة ومواقع النقوش يمكن أن تجعل الزيارة أكثر فائدة، خصوصًا أن الوصول إلى بعض اللوحات لا يشبه زيارة معلمة سياحية تقليدية ذات مسار واضح ولوحات تعريفية.
كما ينبغي على الزائر التعامل مع النقوش باعتبارها آثارًا هشة لا يجوز العبث بها.
لا تلمس النقوش، ولا تضع عليها الطباشير أو الألوان أو أي مادة لإبرازها، ولا تحاول إعادة حفر خطوطها أو الكتابة بجانبها.
فأي أثر جديد يتركه الإنسان المعاصر فوق هذه الصخور قد يطمس جزءًا من رسالة عمرها آلاف السنين.
ويمكن كذلك ربط زيارة أوكايمدن بمواقع الفن الصخري الأخرى في الأطلس الكبير، وعلى رأسها ياغورت، إذا سمحت الظروف والمسالك بذلك.
كيف يصل الزائر إلى أوكايمدن؟
تبعد منطقة أوكايمدن عن مراكش بنحو 75 إلى 76 كيلومترًا تقريبًا، وتستغرق الرحلة بالسيارة عادة نحو ساعة ونصف إلى ساعتين، بحسب حركة السير وحالة الطريق والظروف الجوية.
ويمر المسار عبر منطقة أوريكة في اتجاه خميس أغبالو، حيث يمكن سلوك الطريق الصاعدة نحو أوكايمدن.
وتبقى هذه الأرقام تقريبية، لأن مدة الرحلة تتغير بحسب نقطة الانطلاق داخل مراكش، وحالة الطريق، وحركة السير، خصوصًا خلال فترات الإقبال السياحي.
من التزلج إلى التاريخ.. وجه آخر لأوكايمدن
حين تذكر أوكايمدن، يتبادر إلى أذهان كثير من المغاربة مشهد الثلوج والمتزلجين والجبال البيضاء.
لكن خلف هذا المشهد الشتوي تختزن الهضبة قصة مختلفة تمامًا؛ قصة إنسان قديم عرف هذه المرتفعات قبل أن تعرفها السيارات والفنادق ومصاعد التزلج.
لقد كانت المراعي والمياه والمسالك الجبلية جزءًا من حياة الإنسان في هذه المنطقة، وكانت الصخور صفحات مفتوحة أمامه، يسجل عليها ما رآه وما عرفه وما كان مهمًا في عالمه.
ومن الحيوانات إلى الأسلحة، ومن الأشكال البشرية إلى الرموز الغامضة، تبدو أوكايمدن وكأنها كتاب حجري لم يكتمل بعد.
أوريكة بريس ودليل أوريكة السياحي.. من التغطية إلى التوثيق
لم تكن زيارة فريق أوريكة بريس إلى أوكايمدن مجرد رحلة عابرة لتصوير موضوع سياحي.
فخلال الأسابيع الماضية، انتقل فريق الموقع إلى المنطقة لتغطية عدد من المواضيع، من بينها موسم الرعي السنوي، والسد التلي بأوكايمدن، ثم النقوش الصخرية التي تشكل واحدة من أهم صفحات الذاكرة القديمة للأطلس الكبير.
وقد جرى توثيق هذه المواضيع ميدانيًا بالصورة والفيديو، في محاولة للجمع بين العمل الصحفي والتوثيق البصري للمجال الطبيعي والتراثي بإقليم الحوز.
ويأتي هذا العمل في إطار مشروع أوسع يسعى من خلاله دليل أوريكة السياحي إلى بناء ملف توثيقي متدرج يمكن أن يتحول، مع مرور الوقت، إلى موسوعة خاصة بإقليم الحوز، تجمع بين المواقع الطبيعية والتراثية والتاريخية والثقافية، وتوثقها بالصور والمعلومات والمواد الميدانية.
إن الهدف ليس فقط أن يعرف الزائر أين يذهب، وإنما أن يعرف أيضًا ما الذي يقف أمامه، وما قصة المكان، وما الذي بقي منه للأجيال القادمة.
في حلقات قادمة.. الرحلة نحو ياغورت
وبعد أوكايمدن، تظل أمام هذا المشروع محطات أخرى.
ومن أبرزها هضبة ياغورت، التي تحتضن بدورها مجموعة مهمة من النقوش الصخرية المشابهة في بعض جوانبها لنظيراتها بأوكايمدن.


وتعتزم أوريكة بريس، متى سمحت الظروف والمسالك والفرصة الميدانية، الانتقال إلى ياغورت لتصوير روبورتاج جديد حول هذه النقوش، ومقارنتها بما تمت معاينته وتوثيقه في أوكايمدن.
وسيكون الهدف من هذه الحلقات القادمة مواصلة البحث الميداني في واحدة من أكثر صفحات تاريخ الأطلس الكبير إثارة للفضول، وإتاحة هذه المادة للمتابعين بالصورة والفيديو والمعلومة الموثقة.
خاتمة
تختزل صخور أوكايمدن في صمتها قصة إنسان قديم عاش في جبال الأطلس الكبير أو مر بها، واستفاد من مراعيها ومسالكها، وترك فوق صخورها علامات لا تزال تقاوم الزمن.
إنها ليست مجرد رسوم متناثرة على ألواح من الحجر، بل سجل أثري مفتوح يكشف جوانب من حياة مجتمعات قديمة، من الحيوانات التي عرفتها، إلى الأسلحة التي استخدمتها، والأشكال والرموز التي بقيت دلالاتها مفتوحة أمام البحث العلمي.
وربما تكمن عظمة أوكايمدن الحقيقية في أن الزائر يستطيع اليوم أن يقف أمام صخرة واحدة، في المكان نفسه تقريبًا الذي وقف فيه إنسان قبل آلاف السنين، وأن يرى بعينيه أثر يد بشرية غاب صاحبها منذ زمن بعيد، بينما بقي أثره.
ومن هنا، فإن حماية هذه النقوش ليست مسؤولية الباحثين وحدهم، ولا السلطات وحدها، بل مسؤولية كل من يزور المنطقة ويكتشف هذا التراث.
فما تركه الإنسان القديم على صخور أوكايمدن ليس ملكًا لجيل واحد، وإنما ذاكرة مشتركة تستحق أن تصل إلى الأجيال القادمة.
وسيواصل أوريكة بريس – دليل أوريكة السياحي هذا المسار التوثيقي، من أوكايمدن إلى ياغورت وغيرها من مناطق إقليم الحوز، كلما سمحت الظروف، بحثًا عن صفحات أخرى من التاريخ ما تزال تنتظر من يكشف عنها الغبار.
مصادر ومراجع:
دراسات وأبحاث أكاديمية متخصصة في الفن الصخري بالأطلس الكبير ووادي أوكايمدن، من بينها أعمال الباحثين Hipólito Collado وMaria Luisa Ruiz-Gálvez وYoussef Bokbot وEl Hassan Ezziani، إضافة إلى قاعدة بيانات الفن الصخري بالمتحف البريطاني، ودراسات منشورة ضمن مجلات علمية متخصصة في علم الآثار والفن الصخري.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى