أخبار المغرب

أحكام تمنع بعض “المؤثرين” من النشر.. هل نحن أمام تنظيم للفضاء الرقمي أم تقييد لحرية التعبير؟

أعادت أحكام قضائية صادرة في حق عدد من صناع المحتوى والمؤثرين المغاربة، تضمنت المنع من النشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي لفترات زمنية محددة، فتح نقاش واسع حول الحدود القانونية لاستخدام المنصات الرقمية، وحول الأسس التي يستند إليها القضاء عند إصدار مثل هذه التدابير.

ويرى فاعلون مدنيون أن مواقع التواصل الاجتماعي لم تعد مجرد فضاء للترفيه أو تبادل الآراء، بل أصبحت أشبه بفضاء عام مفتوح يستقطب ملايين المستخدمين، وتُمارس فيه أنشطة متعددة، من الإعلام والتجارة والتواصل إلى التعبير عن الآراء والمواقف.

وبحسب هذا الطرح، فإن وجود محتويات مسيئة أو غير هادفة على هذه المنصات لا يمكن فصله بشكل كامل عن طبيعة المجتمع نفسه، باعتبار أن مواقع التواصل تعكس، إلى حد كبير، مختلف السلوكيات والأفكار الموجودة في الواقع.

في المقابل، يؤكد باحثون في المجال القانوني أن كون الفعل ارتُكب عبر الإنترنت لا يعني خروجه عن نطاق القانون. فالمحتوى المنشور للعموم يمكن أن يخضع للمقتضيات القانونية الجاري بها العمل، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بأفعال قد تشكل جرائم أو اعتداءات على حقوق الآخرين أو إخلالاً بالضوابط المنظمة للنشر.

ومن هذا المنطلق، فإن المنع من النشر، عندما يصدر ضمن حكم قضائي، يمكن أن يندرج ضمن التدابير التي يملك القضاء صلاحية اتخاذها في إطار العقوبة أو التدبير المرتبط بالفعل المرتكب، وليس بالضرورة باعتباره إجراءً يستهدف مواقع التواصل الاجتماعي في حد ذاتها.

غير أن الإشكال يظل مطروحاً من زاوية أخرى، تتعلق بالتوازن بين حرية التعبير من جهة، والمسؤولية القانونية عن المحتوى المنشور من جهة ثانية.

فحرية التعبير تظل مبدأً أساسياً، لكنها لا تعني بالضرورة أن كل ما ينشر عبر المنصات الرقمية يكون محصناً من المساءلة، خصوصاً عندما يتجاوز التعبير حدود الحقوق التي يكفلها القانون ويمس بحقوق الآخرين أو يتضمن أفعالاً يعاقب عليها التشريع.

وفي المقابل، يرى عدد من الفاعلين أن مواجهة ما يوصف بـ«المحتوى الهابط» لا ينبغي أن تعتمد فقط على العقوبات والمنع، وإنما تحتاج أيضاً إلى تربية رقمية وتوعية مستمرة تستهدف صناع المحتوى والمتابعين، وتشجع على إنتاج مواد مفيدة وذات قيمة، وتدفع نحو استخدام أكثر مسؤولية للمنصات الرقمية.

كما أن مسؤولية بناء فضاء رقمي متوازن لا تقع على الدولة والقضاء وحدهما، بل تشمل الأسرة، والمؤسسات التعليمية، والمجتمع المدني، ووسائل الإعلام، إضافة إلى شركات المنصات الرقمية وصناع المحتوى أنفسهم.

وبين من يرى في الأحكام القضائية وسيلة ضرورية للردع وحماية المجتمع من التجاوزات، ومن يخشى أن يؤدي التوسع في المنع إلى التضييق على حرية التعبير، يظل السؤال مطروحاً حول كيفية تحقيق التوازن بين تطبيق القانون وضمان الحقوق والحريات في العصر الرقمي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى